يسجد لربه كما يسجد له جنود الأرض وشهود السماء ، ويحظى بسماع النداء من ( الياء ) في حضائر ( الهاء ) ويغوص في بحار قبضته ، ويخرق سجاف عرضته ، ويتسع بذلك فضاء عرصته ، حتى أخرق له البواطن إلى الظواهر ، وانخرقت الظواهر إلى السرائر ، والسرائر إلى الضمائر ، والضمائر إلى البصائر ، والبصائر إلى الشعائر ، وانخرقت الحكمة إلى القدرة ، والقدرة إلى القرة ، والقرة إلى الدرة ، والآخرة إلى الدنيا ، والدنيا إلى العقبى .
فعند ذلك يطلق من وثاق الأحوال ، إلى خصوصية قابلة لخاصية الأفعال ، فعبد الله تعالى في خاصية خصوصيته حقًا ، وآمن به صدقًا ...
هو الذي خلا خلوات في المثل الأعلى ، والملأ الأعلى ، والمنظر الأعلى ، واعتكف في مسجد خلوته ، وانزوى في زاوية سلوته ، وارتبط في رباط وصلته .
فخرج من مسجد اعتكافه بصريح اعترافه ، وبحلي استغراقه .
وخرج من زاوية سلوته ، بجميع همته ، وبفريق نهمته .
وخرج من رباط وصلته بصحيح حالته ، وفصيح كلمته ، وبرابطة وحدته .
وله بكل خلوة في المثل الأعلى جلوة في الحق الأولى ، وبكل خلوة في الملأ الأعلى جلوة في الخلق الأعلم الأدنى ، وبكل خلوة في المنظر الأعلى جلوة بين يدي المولى ...
ممالك المشاهيد في فيضته ، وتفاصيل الكل في جملته ، وجمل الكل في ثلثه ، كله بكله متقابل ، وليس كمثله شيء متماثل ، أخرجه الله تعالى من سعته في سعة كرسيه ، وعِلمه ورحمته إلى ساعته ، وجعله حيًا بشهادته ، مشحونًا بعجائب صنعته ، فهو الموضوع لله في الغرس ، والمصنوع لرسوله في الزرع ، والآخذ المأخوذ في الإنبات ، والمحاط في
الآيات ...
فهو في الأشياء بمراد الله لا بمراد نفسه ، وهو يفعل فيه به لا بعكسه ، لا جرم سلكه جميع المسالك ، وطاف به حول الممالك ، وزكاه حين زرعه ، وركبَّه ، وعدَّله ، وزاده ، ورجَّحه ، وفضَّله ، وقبل فيه لا النفي وأثبته ، وانطق فيه ألف الوصل وأسكته ...