فمن ذلك ما حدث مع الصحابي الجليل أبي بن كعب {رضى الله عنه} قال:"كنت في المسجد فدخل رجل فصلى فقرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه ، فلما قضيا الصلاة دخلنا جميعًا على رسول الله ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ، فدخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه ."
فأمرهما رسول الله فقرأ ، فحسن النبي شأنهما ، فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقًا ، وكأني أنظر إلى الله ـ عز وجل ـ فرقًا" ( ) ."
ولهذا لم يستطيع أصحاب رسول الله أن يطببوا نفوسهم بمجرد قراءة القرآن الكريم ، ولكنهم لازموا مستشفى رسول الله ، فكان هو المزكي لهم والمشرف على ترتبيتهم ، كما وصفه الله تعالى بقوله: ] هُوَ الذي بَعَثَ في الأمييّن رسولًا منهم ، يتلُو عليهمْ آياتِهِ ، ويًزكيِهمْ ويعلمهم الكِتَابَ والحكْمةَ[ ( ) .
فالتزكية شيء ، وتعليم القرآن شيء آخر .
إذ المراد من قوله تعالى: ]يزكيهم [: يعطيهم حالة التزكية ، ففرق كبير بين علم التزكية وحالة التزكية ، كما هو الفرق بين علم الصحة وحالة الصحة ، والجمع بينهما هو الكمال .
وكم نسمع عن أناس متحيرين ، يقرأون القرآن الكريم ، ويطلعون على العلوم الإسلامية الكثيرة ، ويتحدثون عن الوساوس الشيطانية ، وهم مع ذلك لا يستطيعون أن يتخلصوا منها في صلاتهم ! .
فإذا ثبت في الطب الحديث أن الإنسان لا يستطيع أن يطبب نفسه بنفسه ولو قرأ كتب الطب ، بل لا بد له من طبيب يكشف خفايا علله ، ويطلع على ما عمي عليه من دقائق مرضه ، فإن الأمراض القلبية ، والعلل النفسية أشد احتياجًا للطبيب المزكي ، لأنها أعظم خطرًا ، وأشد خفاءً وأكثر دقة .
ولهذا كان من المفيد عمليًا ، تزكية النفس والتخلص من عللها على يد مرشد كامل مأذون بالإرشاد ، قد ورث عن رسول الله العلم والتقوى وأهلية التزكية والتوجيه .