وقد قرأ الإمام الغزالي كتب الصوفية أنفسهم ، ويحدثنا بذلك ، فيقول:"فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم ، مثل ( قوت القلوب ) لأبي طالب المكي {رضى الله عنه} وكتب الحارث المحاسبي ، المتفرقات المأثورة عن الجنيد ، والشبلي ، وأبي يزيد البسطامي y وغير ذلك من كلام مشايخهم ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، وحصلت ما يمكن أن يحصل عن طريقهم بالتعليم والسماع".
ولكن ذلك لم يجعل منه صوفيًا ، ولم يكن الإمام الغزالي بهذه الكتب ولا بمطالعته لفلسفة اليونان ودراسته لها دراسة عميقة صوفيًا ، ولكنه تبين أن أخص خواصهم - على حد تعبيره - ما لا يمكن الوصول إليه بالتعليم بل بالذوق والحال ، وتبدل الصفات .
وليس التصوف إذن ثقافة كسبية تتأثر بهذا الاتجاه أو ذاك ، وإنما هو ذوق ومشاهدة ، يصل الإنسان إليهما عن طريق الخلوة ، والرياضة ، والمجاهدة ، والاشتياق بتزكية النفس ، وتهذيب الأخلاق ، وتصفية القلب لذكر الله تعالى …
وهذا هو جوهر الشعور الصوفي .
أخص خصائص التصوف: شعور لا يمكن التعبير عنه ، فإن الإنسان يصل فيه إلى درجات يضيق عنها نطاق الكتابة ، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها ، إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح ، لا يمكنه الاحتراز عنه .
والذي لابسته تلك الحالة - على حد تعبير الإمام الغزالي - لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:
وكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر
المشاهد الصوفية إذن ، ليست ثقافة كسبية ، وإذن لا يتأتى التحدث عن مصادرها الخارجية - أيًا كانت هذه المصادر - ووضع المسألة - مسألة مصادر التصوف - إذن موضع البحث ، والنظر ، والدراسة: إنما هو وضع خطأ ، لا يفعله ، ولا يقوم به إلا من لا يفهم التصوف ولم يسهم في تذوقه بقليل ولا بكثير .
والنتيجة التي نريد أن ننتهي إليها إذن هي: أن الاتجاه نحو التصوف ، والنزوع إليه إنما هو فطرة واستعداد .