فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 7048

ويبين لنا الإمام الغزالي أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة ، بيد أنها جميعًا تختلف بحسب نظرة المريد الصادق وما يغلب عليه في وقته ، وإذا غلب على حاله الأنس لم تكن له رغبة إلا في العزلة والخسارة والانفراد ، وذلك كما حدث لإبراهيم بن أدهم ، فقد سئل مرة: من أين أقبلت ؟ فقال: من الأنس بالله … ذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش ، أي شعور بالغربة مع غير الله ، ولهذا فإن أثقل الأشياء على المريد الصادق أن يجد في قلبه ما يعوق تلك الخلوة بالله ، ولذلك يقول أحد الصوفية:"يا من آنسني بذكره ، وأوحشني من خلقه".

وقال بعض الحكماء: يقول:"عجبًا للخلائق كيف أرادوا بك بدلًا ؟ عجبًا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك ؟".

وعلامة الأنس ضيق في الصدر من معاشرة الخلق ، والتبرم منهم ، وعدم الإحساس بعذوبة الذكر في مجلسهم ، وإذا أجتمع الأنس بالناس فهو وحيد مع الجماعة ، وجالس بينهم في وحدة ، كأنه غريب في مدينة ، وحاضر في سفر ، وشاهد في غيبة ، وغائب في حضور ، يخالط الناس بالبدن لكنه منفرد بنفسه وبقلبه ، مستغرق في عذوبة الذكر .

ويروى عن علي بن أبي طالب قوله في وصف أصحاب الأنس بالله:"هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ، فباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعر"

المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدانهم ، أرواحهم معلقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه .

هذه هي علامات الأنس بالله ، وهذه حقائقها ومعناها" ( ) ."

في الاصطلاح الصوفي

الشيخ السري السقطي

يقول:"الأنس: التذاذ الروح بكمال الجمال" ( ) .

الشيخ أبو سعيد الخراز

يقول:"الأنس: استبشار القلوب بقرب الله تعالى ، وسرورها به وهدوها في سكونها إليه ، وأمنها معه من حيث الروعات ، وإعفاؤه لها من كل ما دونه أن يشير"

إليه ، حتى يكون هو المشير ، لأنها ناعمة به ولا تحمل جفاء غيره" ( ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت