فالطريق إذًا: تواضع في القول والعمل والزي والأثاث والمنزل ، فإذا كملت فالمريد متواضع ، كما أن الكبر ضد التواضع والطريق كذلك ورع عن الشبهات والمشكلات من العلوم والأعمال ، فلا يقدم المريد على الشبهات بنطق أو عمل لا يعتقد نفيها ولا إثباتها ، بل يكون اعتقاده تسليمًا وتصديقًا لله ـ عز وجل ـ مما تشابه من الأمور يسكت عنه ، ويسلم به وهذه هي أخلاق الراسخين في العلم ، فالتسليم إيمان ، تأييدًا لقوله تعالى: ] وَما زادَهُمْ إِلّا إيمانًا وَتَسْليمًا [ ( ) .
ومن آداب الطريق ترك شهوات النفس وهي أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها ، وذلك خوفًا من التطبع بالعادات السيئة ، واعتياد النفس عليها فلا يمكن ضبطها .
ويروي الإمام أبو طالب المكي قصة ... عن الرجل الذي تزوج امرأة من بلدة بينه وبين أهلها مسيرة شهر فأرسل غلامه ليحضرها إليه ، فسار بها يومًا ثم أتاه الشيطان وقال
له: إن بينك وبين زوجها مسيرة شهر فلو تمتعت بها في ليالي هذا الشهر ، إلى أن تصل إلى زوجها ، فإنها لا تكره ، بل تثني عليك عند سيدك ، ثم قام الغلام يصلي فقال: يارب إن عدوك جاءني فسول إلى نفسي معصيتك وإني لا طاقة لي به لمدة شهر كامل ، فأعني عليه ، واكفيني مؤنته ، فلم تزل نفسه تراوده ليلته وهو يجاهدها حتى جاء آخر الليل فشد على دابة المرأة وسار بها فرحمه الله ، وطوى له مسيرة شهر ، فما استشرق الفجر حتى وصل إلى سيده فشكر الله على هربه إليه من معصيته ، ثم أنعم الله عليه فكان نبيًا من أنبياء بني إسرائيل ( ) .
هذا هو الطريق مخالفة النفس وترك حظوظها ، والالتجاء إلى الله ظاهرًا وباطنًا ، حتى يمن عليه برحمته ويفيض عليه برضوانه .