"الإنسان: يوازي الكيان - وذلك أن الحكيم سبحانه وتعالى لما ركب العالم العلوي جعل الأفلاك فيه تسع طباق بعضها فوق بعض . وجعل في كل طبقة جنسًا من الملائكة ... وكذلك ركب بنية الإنسان من تسع جواهر بعضها فوق بعض ، وجعل في كل واحدة من القوى والحركة الدائمة ،كالنبض ما لا يفتر عن الحركة إلى وفاء المدة: وهي العظام والمخ والعصب والعروق والدم واللحم والشحم والجلد والشعر ، وكل جوهر منها يزيد وينمو ."
ولما كان الفلك مقسومًا لأثني عشر برجًا ، كذلك في بنية الإنسان إثنى عشر ثقبًا مماثل لها: وهي العينان والأذنان والمنخران والثديان والسبيلان والفم والسرَّة .
ولما كانت منها ستة شمالية وستة جنوبية ، كذلك انفصمت الأثقب ستة في الجانب الأيمن ، وستة في الجانب الأيسر ، ولما كان في الفلك سبع كواكب سيارة كذلك وجد في الإنسان سبع قوى يكون بها صلاح الجسد .
ولما كانت هذه الكواكب أعطيت من باريها الفعل بروحانيتها في النفوس ،كذلك جعل في جسد الإنسان سبع قوى جسمانية: وهي القوة الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغازية والنامية والمصورة - ثم جعل فيه سبع قوى روحانية - وهو الباصرة والسامقة والذائقة والشامة واللامسة والناطقة والعاقلة.
ولما كانت تحت فلك القمر أربعة أركان وهي الأمهات - أعني النار والهواء والماء والأرض وبهذه قوام الأشياء المولدة في الحيوان والنبات والمعدن - كذلك وجد في بنية جسده أربعة أعضاء: وهي تمام جملة الإنسان - أولها الرأس ثم الصدر ثم البطن ثم جوفه إلى قدمه - فالرأس موازن للنار ، والصدر موازن للهواء ، والبطن موازن للماء ، وجوفه إلى قدمه موازن للأرض .
( وبيان المشابهة ) أن الرأس إنما أشبه النار: لأجل أشعة البصر وما يتصاعد إليه من أبخرة أنفاسه الحارة . والصدر شبه بركن الهواء: لاستنشاقه الهواء وتردده في الرئة مرة إلى داخل ، ومرة إلى خارج ، ومرة يسكن ، ومرة يتحرك .