"يعود الدافع الآخر إلى قصور اللغة الوضعية نفسها إذ أنها لغة وضعية اصطلاحية تختص بالتعبير عن الأشياء المحسوسة والمعاني المعقولة في حين أن المعاني الصوفية لا تدخل ضمن نطاق المحسوس ولا المعقول ، يقول ابن خلدون: إن محاولة التعبير عن معاني الكشف الصوفي"متعذرة ، لا ، بل مفقودة ، لأن ألفاظ التخاطب في كل لغة من اللغات إنما وضعت لمعان متعارفة من محسوس ، ومتخيل ، أو معقول تعرفه الكافة ، إذ اللغات تواضع واصطلاح" ( ) . وقريب من ذلك ما قرر الإمام الغزالي إذ قصد تبيان عدم استيعاب اللغة الوضعية للمعاني في التجربة الصوفية فقال:"لا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح ، لا يمكنه الاحتراز عنه" ( ) ."
"ومن أهم الدوافع وراء ظهور الرمزية بشكل كبير في لغة الصوفية هو محاولة الصوفية تجنب اتهامات الخصوم التي تضعهم في تعارض مع العقائد الشرعية ولهذا اصطلحوا على رموز وألفاظ لا يفقه معناها غيرهم"قصدوا بها الكشف عن معانيها لأنفسهم ، وللإجمال والستر على من باينهم في طريقهم" ( ) ، يقول الإمام القشيري:"
"نِعمَ ما فعل القوم من الرموز ، فإنهم فعلوا ذلك غيرة على طريق أهل الله عز وجل أن يظهر لغيرهم فيفهموها على خلاف الصواب فيفتنوا أنفسهم ويفتنوا غيرهم" ( ) .
وتعريف الشيخ السراج الطوسي للرمز يعطي ذات القصد فيقول:"والرمز معنى باطن مخزون تحته كلام ظاهر لا يظفر به إلا أهله" ( ) .
ويقول الشيخ عبد الوهاب الشعراني:"إن الفقيه إذا لم يوفق يقال: أخطأ ، أما الصوفي فإنه عندما لا يوفق يقال إنه كفر ، لذلك كان لزامًا على الصوفية استخدام الإشارات حتى لا يشتد إنكار العامة لهم" ( ) .
وقد سأل أحد المتكلمين أبا العباس ابن عطاء: ما بالكم أيها الصوفية قد اشتققتم ألفاظًا أغربتم بها على السامعين ، وخرجتم على اللسان المعتاد ، هل هذا إلا طلب التمويه ؟ أو ستر لعوار المذهب ؟