لكن ، ما يقول الشيخ في المقامات المأثورة عند السلف ، وقد عرضنا الآن لمجمل نظريته في الأحوال والمقامات ؟
إنه يخصص فصلين مستقلين للمأثور من الأحوال والمقامات مع زيادات عليهما ، وهما الفصل الثاني من الفتوحات تحت عنوان ( المعاملات ) والفصل الثالث بعنوان ( الأحوال ) .
ويعالج مضمون هذين الفصلين معالجة ذات شقين:
الأول: تعريف المقامات من أقوال السلف"ولشيوخنا في هذا المقام حدود ، اذكر منها ما تيسر ، وأبين عن مقاصدهم فيها بما يقتضيه الطريق ، وهكذا أفعل إن شاء الله في كل مقام إذا وجدنا لهم فيه كلامًا ..." ( ) .
فمقام التوبة مثلًا حينما يستعرض معناه وينتهي منه ، يردفه بمقام ترك التوبة . والترك معناه عنده ، الخروج عن حكم المقام ، وهو أعلى من البقاء فيه ، لأن البقاء فيه مشوب برؤية النفس للجهد المبذول في تحصيله ، فإذا رأى العبد أن حقيقة الفعل لله وحده ، تبرأ من حوله وقوته ، عندئذ لا يصح له ادعاء المقام ، فيقيل نفسه منه ويتركه ، وهذا من باب رد الحقوق على أصحابها ، فينصف نفسه ، وينصف ربه بالترك .
وهذا التعليل له وجه إلى وحدة الوجود عند الشيخ ، اذ ما في الوجود الحق الا ذاته
المنزهة ، متجلية في أسمائها وصفاتها وأفعالها ، ومن شهد الموجود بهذا الشهود علمًا وكشفًا قال بترك المقام ( ) ، وإلا لزم مقامه ( ) . كتب الشيخ:"والمقام ليس إلا للتمييز ، وما ثم الا واحد ، فعمن يتميز ، فلا مقام بل هوية أحدية فيها صور مختلفة" ( ) .
إلى أن ينتهي به الأمر إلى القول بمقام ( اللامقام ) وهو من خصائص الإنسان الكامل الذي تحقق بجميع المقامات إيجابًا وسلبًا فلا مقام له يحكم عليه . وقد عرف الشيخ الكمال بقوله:"التنزه عن الصفات وآثارها" ( ) . مشيرًا بذلك إلى عدم التقيد بنعت مقام أو حال ، ولعل هذا الوصف هو الذي يؤهل صاحبه للظفر بالعبودية المحضة لله تعالى ، التي تحرره من حكم كل ما سوى الله .