"الكلام: صفة مؤثرة نفسية ، رحمانية مشتقة من الكلم وهو الجرح ، فلهذا قلنا مؤثرة ، كما أثر الكلم في جسم المجروح . فأول كلام شق أسماع الممكنات كلمة: كن ، فما ظهر العالم إلا عن صفة الكلام ، وهو توجه نفس الرحمن على عين من الأعيان ، ينفتح في ذلك النفس شخصية ذلك المقصود ، فيعبر عن ذلك الكون بالكلام ، وعن المتكون فيه بالنفس ، كما ينتهي النفس من المتنفس المريد إيجاد عين حرف ، فيخرج النفس المسمى صوتًا ، ففي أي موضع انتهى أمد قصده ، ظهر عند ذلك عين الحرف المقصود إن كان عين الحرف خاصة هو المقصود ، فتظهر الهاء مثلًا إلى الواو وما بينهما من مخارج الحروف ، وهذه تسمى: معارج التكوين ، فيها يعرج النفس الرحماني ، فأي عين من الأعيان الثابتة اتصفت بالوجود ، فلا بد لكل متكلم من أثر في نفس من كلمة ، غير أن المتكلم قد يكون إلهيًا وربانيًا ورحمانيًا . فمن كونه ربانيًا ورحمانيًا ، لا يشترط في كلامه خلق عين ظاهرة ، سوى ما ظهر من صورة الكلام التي أنشأها عند التلفظ" ( ) .
ويقول الشيخ عبد الكريم الجيلي:
"من تجلى الله عليه بصفة الكلام ، فكانت الموجودات من كلام هذا العبد ، وذلك أنه لما تجلى عليه الله بالصفة الحياتية ، ثم علم بالصفة العلمية ما فيه سر الحياة منه أبصرها ، ثم سمعها ، فبقوة أحدية حياته تكلم ، وكانت الموجودات من كلامه ، وحينئذ شهد بكلامه أزلًا كما هو عليه أبدًا أن لا نفاد لكلماته ، أي: لا آخر لها . ومن هذا التجلي يكلم الله عباده دون حجاب الأسماء ..."
فمن المكلمين: من تناجيه الحقيقة الذاتية من نفسه ، فيسمع خطابًا لا من جهة بغير جارحة ، وسماعه للخطاب بكليته لا بإذن ، فيقال له: حبيبي أنت محبوبي ، أنت المراد ، أنت وجهي في العبادات ... واصطنعتك لنفسي ...
ومن المكلمين: من يذهب به الحق من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح ...
ومنهم: من يضرب له عند تكليمه إياه نورًا له سرادق من الأنوار .