قلت: هذا يرجع إلى اختلاف الألسنة . تفصيل هذا: أن لهذا الشخص الإنساني حقائق متكثرة ولكل حقيقة خواص وعلوم ، ولكل خاصة لسان يعبر عنها .
فربما تجرد العارف إلى الحقيقة الشخصية ، وربما تجرد إلى الحقيقة الإنسانية ، وكذا الحيوانية ... وربما تجرد إلى الوجود الناسوتي ، وربما تجرد إلى الوجود الروحاني ، وربما تجرد إلى الوجود الجبروتي ، وهو يتكلم بكل لسان ولا يجب أن يجمع كل الألسنة في حالة
واحدة . فربما بقى بحقيقة وتكلم بها وذهل عن الحقائق الأخرى ، ثم بقى بحقيقة أخرى فاختلف كلامه ، وليس في الحقيقة تناقض .
قال السائل: ما تقول في مثل اختلاف كلامه في إيمان فرعون وكفره [ فالشيخ في تأليفه الفصوص أثبت إيمان فرعون ، وفي الفتوحات المكية أنكر إيمانه ] .
قلت: الوجدان في الحقيقة أن تجد في ذاتك شيئًا كما يجد صاحب خلو المعدة الجوع وصاحب الامتلاء الثقل ، فكذلك لو تجردت إلى نفسك ، أعني مزاجك من حيث قبل فيضًا شرّيًا ، وجدت حب المعاصي والإفساد في الأرض .
ولو تجردت إلى قالبك ، وجدت حب المأكل والمشرب وسائر ما يتقوم به البدن أو يقتضيه .
ولو تجردت إلى قلبك أعني روحك من حيث اختلط بالطبيعة ولم يقبل فيضًا شرّيًا بل ملكيًا ، وجدت إلهام الملائكة والانشراح والانفساح .
ولو تجردت إلى روحك أعني وجودك الذي قضى به رب العالمين قبل أن يخلق الإنسان بألفي عام ، انتفى عنك كل شر اقتضته نفسك وكل انشراح ونور وإصلاح بين الناس وألفة ألهمه الملك وبقى حكم المثال وفيه القوى الفلكية .
ثم لو تجردت إلى سرك ، وجدت تدبيرًا واحدًا في الوجود يتلون ألوانًا . فهذا كله نوع من الوجدان .
أو أن تجد في نفسك حالة انطبعت فيك حين توجهت إلى حقيقة شاهقة ، أو سافلة كما تنطبع الصورة في المرآة ، فتجعل هذه الحالة المنطبعة في نفسك آلة لملاحظة ما عليه ذلك الشيء كما تجعل المرآة آلة لملاحظة ما خفي عنك ، وهذا نوع ثان من الوجدان .