فهرس الكتاب

الصفحة 6221 من 7048

"لما نظرنا في قوله تعالى: ] اتَّقُوا اللَّه [ ، أي: اتخذوه وقاية من كل ما تحذرون ، ورأينا مسمى الله يتضمن كل اسم إلهي ، فينبغي أن يتقي منه ويتخذ وقاية ، فإنه ما من إسم من الأسماء الإلهية للكون به تعلق إلا ويمكن أن يتقي منه وبه ، أما خوفًا من فراقه إن كان من أسماء اللطف أو خوفًا من نزوله إن كان من أسماء القهر ، فما يتقي إلا حكم أسمائه ، وما تتقي أسماؤه إلا بأسمائه الاسم الذي يجمعها هو الله . فإذا كان الله مجموع الأسماء المتقابلة وقد علمنا أن المتقابلين إذا كانا على ميزان واحد سقط حكمهما لأن المحل لا يقبل حكم تقابلهما فيسقطان ، فإذا رجح ميزان أحدهما كان الحكم للراجع ، وقد رجح اسم اللطيف بوجودنا لأن الاسم الرحمن يحفظنا ، فترجحت الرحمة فنفذ حكمها ، فهي في الأصل بالإيجاد ، والانتقام حكم عارض ، والعوارض لا ثبات لها ، فإن الوجود لها ، فإن الوجود يصحبنا فمآلنا إلى الرحمة وحكمها ، فلهذا أمرنا بتقوى الله أي نتخذه وقاية ونتقيه لما فيه من التقابل ، وهو مثل قوله في الاستعاذة منه به ، فقال: ] وأعوذ بك منك [ ( ) . وهو من المقامات المستصحبة في الدنيا والآخرة ، فإنه إذا اتقيت أحكام الأسماء ، ولا سيما في الجنة التي حكم الإنسان فيها لصورة الإلهية التي فطر عليها ، فيقول للشيء: كن ، فيكون ذلك الشيء . فربما يحجبه هذا المقام عن الذي هو أعلى في حقه ، فيذهل عن الكثيب الذي هو خير له مما هو فيه ، فيأتي الاسم المذكر الإلهي ، فيذكره بشرف رتبة الكثيب وما يحصل له فيه وما يرجع به إلى أهله ، فيتقي هذا الاسم الذي مسكه في الجنة عن التشوق إلى ما هو أفضل في حقه مما يحصل له في الكثيب ، فلهذا قلنا باستصحاب مقام التقوى في الدنيا والآخرة . فإذا علمت هذا علمت أن مقام التقوى تقوى الله مكتسب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت