فأشار له برأسه أن نعم ، ثم رأى رجلًا بجواره يردد: آه آه ، فأشار إلى ابن عمه ليذهب بالشربة إلى ذاك الرجل ، وكان هشام بن العاص ، فلما هم هشام أن يشرب سمع ثالثًا يردد: آه آه . فأمر الساقي أن يذهب إليه بالماء ، فلما بلغه الساقي وجده قد مات ، فعاد إلى هشام فوجده قد مات ، فعاد إلى ابن عمه فوجده قد مات .
وما أكثر الأمثلة الرائعة في تاريخ السلف من أبناء الإسلام ، مما يعد في نظر العامة من الناس كالرؤيا أو الأحلام .
شرط الإيثار عند الصوفية
هذا وقد اشترط بعض الصوفية في إيثارك الخلق على نفسك ألا يفسد عليك ذلك دينك ، أو يقطع طريق عبادتك وتقربك من الله . ويقول ابن خبيق الانطاكي:"إن استطعت أن لا يسبقك أحد إلى مولاك فافعل ، ولا تؤثر على مولاك شيئًا".
ولذلك كرهوا أن يؤثر الإنسان غيره بالجلوس في الصف الأول في الجماعات والجمع وما أشبه ذلك ، لأن الإيثار يكون في أمور الدنيا لا في الطاعات والقربات .
ولكن أبو حفص النيسابوري يقول: الإيثار: أن تقدم حظوظ الأخوان على حظك في أمر أخرتك ودنياك . وقد يكون من المواطن الصالحة إيثار الضعيف بموطن الطاعة مواقف استلام الحجر الأسود ، والصلاة عند مقام إبراهيم ، والأخذ من ماء زمزم ، فإن الملاحظ أن الزحام يشتد في مواسم الحج عند هذه المواطن ، فيستأثر القوي ويتمكن من الاستلام والصلاة والشراب ، على حين لا يتمكن ضعفاء أو نساء أو شيوخ عجزة من ذلك، فقد يكون الأجمل بالمؤمن أن تبدو منه فضيلة الإيثار بمثل هذه المواقف .
ألا أن الإيثار فضيلة سامية ، ومحمدة عالية ، يتحلى بها الأخيار الأبرار من الناس ، فإن استطعت السبيل إليها فلا تتقاعس ، وإن لم تستطع أن تكون من أهل الإيثار فلا أقل من أن تحارب في نفسك رذيلة الأثرة ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ( ) .
في الاصطلاح الصوفي
الشيخ أبو حفص الحداد النيسابوري