ابن عربي هنا يفارق النظرة الصوفية الكلاسيكية إلى ( الجمع ) كحال يوحد الحق والخلق ويذهب إلى ضدها ، فالجمع هو عين التفرقة بين الحق والخلق ، بين صفات القدم والحدوث ، فالجمع عمليتان يحدثان في آن معًا ، جمع على صعيد أول لكل مظاهر القدم وردها إلى أصلها أي الحق .
وجمع على صعيد ثان لكل مظاهر الحدوث أينما تجلت في القديم أو الحادث وردها إلى أصلها أي الخلق .
إذن ، الجمع هو جمع المظاهر ، تفريقها على صعيدين ، وردَّها إلى أصلها ، وهنا يظهر الجمع عين التفرقة ( هذه النتيجة لا تقبل العكس ) حيث أن كلمة ( جمع ) نفسها تثبت الكثرة لأننا لا نجمع إلا كثرة متفرقة .
أما ( جمع الجمع ) فهو استهلاك وجهي الحقيقة ( حق خلق ، قدم حدوث ) في وحدتها ، فالحق والخلق والقدم والحدوث ليست في الواقع سوى وجهين لحقيقة واحدة ندرك وحدتها في حال ( جمع الجمع ) .
"الجمع هو الكثرة في مقابل التوحيد ، فالوجود كثرة والتوحيد معقول غير موجود ، إذن ، الجمع يقابل التوحيد ، ويرادف التفرقة ، والكثرة والتمييز بين الحقائق ، يقول ابن عربي:"... الأحدية تصحب كل جمع ، فلا بد من الجمع في الأحد ولا بد من الأحد في الجمع ... وقال تعالى: ] وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ ( ) والمعية صحبة والصحبة جمع ...
لما كان الدوام لمعية الحق مع العالم لم يزل حكم الجمع في الوجود وفي العدم ، فإنه ( تعالى ) مع الممكن في حال عدمه كما هو معه في حال وجوده ، فأينما كنا فالله معنا ، فالتوحيد معقول غير موجود ، والجمع موجود ومعقول ... لو أراد ( الحق ) التوحيد ما أوجد العالم وهو يعلم أنه إذا أوجده أشرك به ... فهو أول من سن الشرك ( ) ، لأنه أشرك معه العالم في الوجود ..." ( ) ."