فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 44468 من 90754

[السُّؤَالُ] ـ[عند تجميع الأموال من التجار وغيرهم من أموال الزكاة، علمًا بأنَّ الدولة تمنحُنا مبلغًا يقارب ربع المبلغ الذي نجمعه، ونصرف هذه الأموال كلها كما يلي:

1ـ رواتب المدرسين.

2ـ شراء كتب وقرطاسية للطلاب والإدارة.

3ـ شراء مازوت للتدفئة والحمام.

4ـ شراء طعام مع الشاي والسكر والصابون للطلاب.

5ـ يقدم الشاي للمدرسين والمستخدمين علمًا بأنهم يتقاضون راتبًا على عملهم.

6ـ يدفع إيجار السكن للتعليم.

نرجو من فضيلتكم أن توضِّحوا لنا: هل يصحُّ شراء كتب من مال الزكاة واستردادها آخر العام؟ وهل للإدارة الحق أن تشتري من هذا المال قرطاسية لها أم لا؟ وهل يصح تقديم الشاي للمدرسين والمستخدمين من هذا المال أم لا؟ وهل يصحُّ إعطاء المدرسين والمستخدمين رواتب من هذا المال علمًا أن المنحة من الدولة لا تكفي لهم رواتب، وهل يصح دفع إيجار لدار للتعليم والسكن من مال الزكاة المُجْبى أم لا؟]ـ

[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالذي فهمناه من جملة السؤال هو أن لديكم مدرسة تدفع لها أموال الزكاة والتبرعات، وتقوم بتعليم الفقراء ما يحتاجون إليه من أنواع العلوم أو الحرف بحيث يحصلون العلم النافع -سواء كان دينيا أو دنيويا- ويستطيعون أن يعتمدوا على أنفسهم ويعيشوا من كسبهم وهم موفوروا العزة والكرامة، ويستغنوا عن الاعتماد الدائم على أموال الزكاة، فإذا كان الأمر كذلك ففي دفع أموال الزكاة لتلك المدرسة خلاف بين العلماء مبني على اختلافهم في مدى اشتراط تمليك الفقير للزكاة.

والذي يظهر لنا هو جواز تعليم الفقراء بأموال الزكاة بدلا من دفعها إليهم فلا تكفيهم إلا برهة من الزمن -نظرا لقلة ما يجبى منها الآن- ثم يعودون بعدها يستجدون أهل اليسار كما هو معلوم مشاهد، وهذا الذي رجحناه هو مذهب جماعة من أهل العلم وذلك لعدة أدلة نوجزها فيما يلي:

الدليل الأول: أنه لا دليل قاطعا على اشتراط تمليك الفقير للزكاة فليس هناك دليل لا يتطرق إليه الاحتمال على أن اللام في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ {التوبة: 60} للتمليك، فاللام تستعمل تارة للتخصيص وتارة للتمليك وتارة للتعليل، وتارة للعاقبة، وليس هناك دليل يصلح لقصر اللام في الآية على معنى التمليك، قال السيوطي في معاني اللام الجارة:"لها معان: الاستحقاق وهي الواقعة بين معنى وذات نحو"الحمد لله"،"لله الأمر"،"ويل للمطففين"،"لهم في الدنيا خزي، والاختصاص"نحو"إن له أبا"،"فإن كان له إخوة"، والملك نحو له ما في السماوات وما في الأرض والتعليل نحو"وإنه لحب الخير لشديد"أي وإنه من أجل حب المال لبخيل بل لقد اعتبر عدد من أهل العلم بالعربية أن الاختصاص أصل في اللام، ولذا قدمها على الملك والاستحقاق، انظر [الجني الداني في حروف المعاني للمرادي المكتبة العربية بحلب [ط1 1973م ص96] ."

وعلى فرض صحة القول بأن اللام للتمليك، فلا يشترط تمليك العين، كما قال الراغب الأصفهاني في المفردات عند بيان معاني اللام الجارة:"اللام للملك والاستحقاق، وليس نعني بالملك ملك العين، بل قد يكون ملكًا لبعض المنافع أو لضرب من التصرف".

الدليل الثاني: أن المقصد التشريعي من الزكاة بالنسبة لمصرف الفقراء والمساكين هو إغناؤهم، ولاشك أن من وسائل تحقيق ذلك تعليم الفقير حرفة يعيش منها، فالزكاة ليست مجرد سد جوعة الفقير أو إقالة عثرته بكمية قليلة من النقود، ليعود لوصف الفقر أو المسكنة بعد نفادها، وإنما وظيفتها الصحيحة تمكين الفقير من إغناء نفسه بنفسه، بحيث يكون له مصدر دخل ثابت يغنيه عن طلب المساعدة من غيره، ويؤيد ذلك أيضًا أن حد الكفاية الذي حرصت الزكاة على تأمينه للفقير لم يقتصر على الحاجات الآنية، وإنما تعدى ذلك إلى تأمين كفاية العمر الغالب- كما هو مذهب الشافعية وأحمد في رواية- ومن صور ذلك إذا كان الفقير يحسن الكسب بحرفة أعطي آلاتها، بحيث يحصل له من ربحها ما يفي بكفايته غالبًا، فإن كان نجارًا أعطي ما يشتري به آلات النجارة، وإن كان تاجرًا أعطي رأس مال يفي ربحه بكفايته، ويراعي في رأس مال التجارة نوع التجارة التي يحسنها، قال الإمام الرملي:"ويعطى الفقير والمسكين إن لم يحسن كل منهما كسبًا بحرفة ولا تجارة كفاية سنة والأصح كفاية عمره الغالب، لأن القصد إغناؤه. أما من يحسن حرفة تكفيه لائقة فيعطى ثمن آلة حرفته وإن كثرت أو تجارة فيعطى رأس مال يكفيه".

فإذا كان من له حرفة: يعطى ثمن آلة حرفة من أموال الزكاة، فما الذي يمنع أن يعلم من لا حرفة له، حرفة من أموال الزكاة.

ويتأكد هذا بأن هذا العصر شهد ثورة تقنية في مجالات الحرف والكسب، حتى أصبح من العسير على الفقير الذي لم يحظ بقدر معين من التعليم والتأهيل أن يجد فرصة عمل كريمة يعيش من خلالها عزيزا كريما لا يمد يده للآخرين، فهل نكتفي بالصورة التقليدية المتوارثة في توزيع الزكاة والتي تراجعت حصيلتها تراجعا عظيما عما كانت عليه في صدر الإسلام وتُرك الأمر للأفراد في تأديتها، حتى أصبحت لا تسد إلا حاجة يسيرة من حاجات الفقراء أم نستغل بعض الأموال الزكوية في تأهيل القادرين منهم على العمل لحرفة يعيشون من خلالها موفوري العزة والكرامة مع ما في ذلك من خدمة المجتمع الإسلامي بتقليل نسبة البطالة والعاطلين عن الكسب فيه وتحويل أفراده إلى منتجين بدلا من أن يكونوا مجرد مستهلكين؟ لا شك أن الخيار الثاني هو الذي يتفق مع روح الشريعة ومقاصدها.

الدليل الثالث: ما ثبت من تصرفه -صلى الله عليه وسلم في مال الفقير المشغول بحاجته الأصلية فيما يعود على الفقير بالمصلحة حيث باع متاع من جاء يسأله بدرهمين، وأعطاهما له، وقال اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالأخر قدومًا فائتني به، فشد رسول الله صلى الله عليه وسلم عودًا بيده ثم قال: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا، فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب خمسة عشر درهمًا فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة رواه أبو داود.

ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه إذا جاز التصرف في مال الفقير المشغول بحاجاته الأصلية لأجل مصلحته جاز التصرف بأموال الزكاة الخاصة بالفقراء بما يحقق مصلحتهم ولا فرق.

الدليل الرابع: أن كثيرا من أهل العلم قد توسعوا في معني"وفي سبيل الله"الذي هو أحد مصارف الزكاة فرأوا أنه يشمل المصالح العامة التي عليها وبها قوام أمر الدين والدولة والتي لا ملك فيها لأحد ولم يقصروه على الجهاد في سبيل الله، فمن ذلك ما نبه عليه الإمام الرازي في تفسيره حيث ذكر: أن ظاهر اللفظ في قوله تعالى: (وفي سبيل الله) لا يوجب القصر على الغزاة. ثم قال: فلهذا المعنى نقل القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء: أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير: من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: (وفي سبيل الله) عام في الكل، وبهذا قال أيضا القاسمي في كتابه محاسن التأويل والشيخ رشيد رضا في تفسير المنار، وصديق حسن خان، -وهو على مذهب أهل الحديث المستقلين- فقال في الروضة الندية:"أما سبيل الله، فالمراد هنا: الطريق إليه عز وجل، والجهاد - وإن كان أعظم الطرق إلى الله عز وجل - لكن لا دليل على اختصاص هذا السهم به. بل يصح صرف ذلك في كل ما كان طريقًا إلى الله عز وجل. هذا معنى الآية لغة، والواجب الوقوف على المعاني اللغوية حيث لم يصح النقل هنا شرعًا، ثم قال: ومن جملة"سبيل الله"الصرف في العلماء الذين يقومون بمصالح المسلمين الدينية، فإن لهم في مال الله نصيبًا، سواء أكانوا أغنياء أو فقراء. بل الصرف في هذه الجهة من أهم الأمور؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء وحملة الدين. وبهم تحفظ بيضة الإسلام، وشريعة سيد الأنام"أهـ.

وإذ كان الأمر كذلك وكان من مصلحة الفقراء إيجاد مدارس لتعليمهم العلوم النافعة والحرف الهامة حتى يستطيعوا التكسب ولا يتركوا فريسة للحاجة والفقر مع تناقص مواد الزكاة كان ذلك من المصالح العامة الداخلة في سبيل الله.

وممن ذهب إلى جواز تعليم الفقراء وتأهيلهم من أموال الزكاة الشيخ أبو زهرة، في بحث الزكاة كما في تعليق الدكتور رفيق المصري على فتاوى الزكاة للمودودي والشيخ مصطفى الزرقا في مجلة مجمع الفقه الإسلامي 1/401: 404] ،والشيخ أبو الأعلى المودودي في فتاوى الزكاة [ص55] .

وإذا تقرر هذا فلا حرج في أن ينفق على هذه المدرسة من أموال الزكاة في كل ما تحتاج إليه لتقوم بالعملية التعليمية على أتم وجه من غير إسراف، سواء في ذلك، رواتب المدرسين أو شراء كتب للطلاب سواء استرجعت منهم أم لا وكذلك قرطاسية للطلاب والإدارة أو شراء مازوت للتدفئة والحمام أو شراء طعام مع الشاي والسكر والصابون للطلاب أو دفع إيجار السكن للتعليم، أما الشاي للمدرسين والمستخدمين فالأولى أن يكون من غير الزكاة.

وننبه هنا إلى أنه لا يجوز أن يتعلم بالمجان في تلك المدرسة غير الفقراء والمساكين. وإذا تعلم بعض الأغنياء وجب أخذ أجرة منه تصرف في مصلحة هذه المدرسة.

والله أعلم.

[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 28 صفر 1428

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت