فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
جعل التصوف امتدادًا لنزعة الرهبنة التي ظهرت في ثلاثة رهط سألوا عن عبادة رسول الله فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الثاني: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام ، وقال الثالث: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج . ولما عرض أمرهم على رسول الله صحح لهم أفكارهم ، وردهم إلى الصراط المستقيم والنهج القويم ( ) . والجواب على ذلك أن التصوف لم يكن في يوم من الأيام شرعة مستقلة ولا دينًا جديدًا ، ولكنه تطبيق عملي لدين الله تعالى واقتداء كامل برسوله ، وإنما سرت الشبهة عن هؤلاء المتسرعين لأنهم وجدوا في التصوف اهتمامًا بتزكية النفس وتربيتها وتصعيدها ومجاهدتها على أسس شرعية ضمن نطاق الدين الحنيف ، فقاسموا تلك الانحرافات الدينية على التصوف قياسًا أعمى دون تمحيص أو تمييز ، غائبين عن مواقف المجاهدة العظيمة التي مر بها رسول الله وصحابته الكرام مما لو سمع به أحد هؤلاء المنكرين ولم يعلم أنه موقف لرسول الله لاتهم صاحبه انه متنطع بالعبادة وأنه يشاد الدين ويحرم على نفسه ما أحل الله لها ولكنه ثمة فرق كبير بين المجاهدة المشروعة المقيدة بدين الله تعالى وبين المغالاة والانحراف وتحريم الحلال وتعذيب الجسد كما عليه البوذيون الكافرون .
ومن الظلم والبهتان أن يحكم على كل من جاهد نفسه وزكاها أنه ينحدر من أصل بوذي أو إبراهيمي كما يزعم المستشرقون ومن خدع بهم ، أو أنه يقتدي بهؤلاء الرهط تقالوا عبادة رسول الله كما يقوله المتسرعون السطحيون ، مع أن رسول الله صحح لهم خطأهم فرجعوا إلى هديه وسنته .
وإذا وجد في تاريخ التصوف من حرم الحلال أو قام بتعذيب الجسد على غرار الانحرافات الدينية السابقة فهو مبتدع ومبتعد عن طريق التصوف ، لذا ينبغي التفريق بين التصوف والصوفي فليس الصوفي ممثلًا للتصوف ، كما أن المسلم بانحرافه لا يمثل الإسلام .