ووجه استحالة الحلول لا يفهم إلا بعد فهم معنى الحلول ، فإن المعاني المفردة إذا لم تدرك بطريق التصور لم يمكن أن يفهم نفيها أو إثباتها ، فمن لا يدري معنى الحلول ، فمن أين يدري أن الحلول موجود أو محال ؟
فنقول: المفهوم من الحلول أمران:
أحدهما: النسبة بين الجسم ومكانه الذي يكون فيه ، وذلك لا يكون إلا بين
جسمين ، فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك .
والثاني: النسبة التي بين العرض والجوهر ، فإن العرض يكون قوامه بالجوهر ، فقد يعبر عنه بأنه حال فيه ، وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه .
فدع عنك ذكر الرب تعالى وتقدس في هذا العرض ، فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام ، فلا يتصور الحلول بين عبدين ، فكيف يتصور بين العبد والرب ؟" ( ) ."
وقال ابن عربي في عقيدته الصغرى: تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها .
وقال في عقيدته الوسطى:"اعلم أن الله تعالى واحد بالإجماع ، ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء ، أو يحل في شيء ، أو يتحد في شيء".
وقال في الباب التاسع والستين والمائة:"القديم لا يكون قط محلًا للحوادث ، ولا يكون حالًا في المحدث" ( ) .
وقال في الباب الثاني والتسعين ومائتين:"من أعظم الدلائل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه بعضهم أن تعلم عقلًا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء ، وأن الشمس ما انتقلت إليه بذاتها ، وإنما كان القمر محلًا لها ، فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه".
وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة:"لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته والملك عن ملكيته ، ويتحد بخالقه تعالى ، لصح انقلاب الحقائق ، وخرج الإله عن كونه إلهًا وصار الحق خلقًا والخلق حقًا ، وما وثق أحد بعلم ، وصار المحال واجبًا ، فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدًا ."