فهرس الكتاب

الصفحة 1571 من 7048

وقال ابن تيمية: وأما قول الشاعر في شعره:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

فهذا إنما أراد به الشاعر الاتحاد المعنوي ، كاتحاد أحد المحبين بالآخر الذي يحب أحدهما ما يحب الآخر ، ويبغض ما يبغضه ويقول مثل ما يقول ويفعل مثل ما يفعل ، وهذا تشابه وتماثل ، لا اتحاد العين بالعين ، إذا كان قد استغرق في محبوبه ، حتى فني به عن رؤية نفسه كقول الآخر:

غبت بك عني فظننت أنك أنّي

فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ ( ) .

وقال ابن قيم الجوزية في كتابه ( مدارج السالكين ) ما نصه:

"... الدرجة الثالثة من درجات الفناء: فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين ، وهو الفناء عن إرادة السوى ، شائمًا برق الفناء عن إرادة ما سواه ، سالكًا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه ، فانيًا بمراد محبوبه منه عن مراده من محبوبه فضلًا عن إرادة غيره ، قد اتحد مراده بمراد محبوبه ، أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري ، فصار المرادان"

واحدًا ... وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا والاتحاد في العلم والخير ، فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدًا مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين ، فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب ، فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم ، قد فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه ، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه ، ومن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في الله ، ولا يبغض إلا فيه ، ولا يوالي إلا إياه ، ولا يستعين إلا به ، فيكون دينه كله ظاهرًا وباطنًا لله ، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل:

يعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعًا ولو كان الحبيب المصافيا""

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت