فهرس الكتاب

الصفحة 1573 من 7048

عيسى {عليه السلام} : اتحد ناسوته بلاهوته ، وأما من حفظه الله تعالى بالعناية ، فإنهم لم يعتقدوا اتحادًا ولا حلولًا ، وإن وقع منهم لفظ الاتحاد ، فإنما يريدون به محو أنفسهم ، وإثبات الحق سبحانه ... وقد يذكر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات ، وبقاء الموافقات ، وفناء حظوظ النفس من الدنيا وبقاء الرغبة في الآخرة وفناء الأوصاف الذميمة ، وبقاء الأوصاف الحميدة ، وفناء الشك ، وبقاء اليقين وفناء الغفلة وبقاء الذكر ... وأما قول أبي يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: ( سبحاني ما أعظم شأني ) فهو في معرض الحكاية عن الله ، وكذلك قول من قال: ( أنا الحق ) محمول على الحكاية ، ولا يظن بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد ، لأن ذلك غير مظنون بعاقل ، فضلًا عن المميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات ، ولا يظن بالعقلاء المميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة وحفظ حدود الشرع الغلط بالحلول والاتحاد ، كما غلط النصارى في ظنهم ذلك في حق عيسى {عليه السلام} ، وإنما حدث ذلك في الإسلام من واقعات جهلة المتصوفة ، وأما العلماء العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك .

والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك ، فيطلق على المعنى المذموم الذي هو أخو الحلول ، وهو كفر ، ويطلق على مقام الفناء اصطلاحًا اصطلح عليه الصوفية ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، إذ لا يمنع أحد من استعمال لفظ في معنى صحيح . لا محذور فيه شرعًا ولو كان ذلك ممنوعا لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ الاتحاد وأنت تقول: بيني وبين صاحبي زيد اتحاد ، وكم استعمل المحدثون والفقهاء وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية

ونحوية ، كقول المحدثين: اتحد مخرج الحديث ، وقول الفقهاء: اتحد نوع الماشية ، وقول النحاة: اتحد العامل لفظا أو معنىً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت