فهرس الكتاب

الصفحة 2215 من 7048

إذا تأملت ما أوردنا من الأحاديث ( ) عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر بالذكر ، بل فيه ما يدل على استحبابه أما صريحًا أو التزامًا كما أشرنا إليه .

وأما معارضته بحديث: ] خير الذكر الخفي[ ، فهو نظير معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ، وقد جمع النووي بينهما بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى به المصلون أو نيام ، والجهر أفضل في غير ذلك ، لأن العمل فيه أكثر ، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين ، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر ، ويصرف سمعه إليه ، ويطرد النوم ، ويزيد في النشاط .

وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها ، لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر ، والجاهل قد يكل فيستريح بالإسرار .

وكذلك نقول في الذكر على هذا التفصيل ، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث .

فإن قلت: قال الله تعالى: ]اذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخيفَةً وَدونَ الْجَهْرِ مِنَ

الْقَوْلِ[ ( ) .

قلت: الجواب عن هذه الآية من ثلاثة أوجه:

الأول: إنها مكية كآية الإسراء: ]وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [ ( ) ، وقد نزلت حين كان النبي يجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله ، فأمر بترك الجهر سدًا للذريعة ، كما نهى عن سب الأصنام لذلك في قوله تعالى: ] وَلا تَسُبّوا الَّذينَ يَدْعونَ مِنْ دونِ اللَّهِ فَيَسُبّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ[ ( ) ، وقد زال هذا المعنى ، وأشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره .

الثاني: إن جماعة من المفسرين ، منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك ، وابن جرير حملوا الآية على الذاكر حال قراءة القرآن وإنه أمر له بالذكر على هذه الصفة تعظيمًا للقرآن أن ترفع عنده الأصوات ويقويه اتصالها بقوله: ]وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فاسْتَمِعوا لَهُ وَأَنْصِتوا [ ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت