"اعلم أن هذه الأسماء المتعددة إنما هي لمسمى واحد لا تعدد فيها ، وإنما تعدد أسمائها أي الروح لتعدد مراتبها . وبيان ذلك: أن الله تبارك وتعالى خلق الروح الإنساني من صفاء صفوة النور الإلهي ، وانتشاؤها من فيض العماء الرباني ، وأسكنها محل الروح . لم تزل فيه كاملة المعرفة بالله تعالى ، مستقرة في محبته ووحدانيته ، عارفة بأسمائه وصفاته ، لا تلتفت لغيره ، ولا تبالي بسواه ..."
وتكون في الجسد بحسب الروح نفس ، وهي البخار اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة والإدراك . فالنفس شيء يوجد حكمه ولا توجد عينه إذ هو يتكون من اجتماع الروح والجسد … وهذا الشيء المعبر عنه: بالنفس هو منبع الأخلاق الذميمة والأوصاف الفاسدة السقيمة ما دام حكمه مستوليًا على العبد ...
فما دامت الروح ميالة إلى المعاصي والمخالفات ومتابعة الهوى تسمى في هذا المقام: النفس الأمارة بالسوء ... فإذا طرأ عليها من الأنوار الإلهية ما يخرجها عن بعض ما كانت متصفة به من المعاصي والمخالفات بوجود التوبة ، أخذت في توبيخ نفسها ولومها لذاتها ... تسمى النفس اللوامة ...
ثم إذا طرأ عليها من الأنوار الإلهية ما يقضي بإخراجها عن كثائف المعاصي
والمخالفات ... وبقي عليها لطائف المخالفات ودقائقها تسمى في هذا المقام: قلبًا لأنها شمت رائحة الحضرة القدسية ... وتارة تغلب عليها كثافة ظلمات طبيعتها الجبلية المكتسبة من استقرارها في الجسم ، فتحن إلى مقتضيات شهواتها ومتابعة هواها ، فلتقلبها بين هذين الأمرين سميت: قلبا ...
ثم إذا أفاض عليها من الأنوار الإلهية ... ورسخت قدمها في العمل لطاعة الله والتوجه إليه سكن اضطرابها من ذلك ، تسمى في ذلك المقام: النفس المطمئنة ، لكنها بقيت عليها من الميل لغير الله ، وإن كان حلالا ، وبقي فيها أثر من الاعوجاج عن الاستقامة ، وبقي فيها ضرب من التدبير والاختيار في مصالحها .