فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لقد توغل في معراج السلوك ففني عن كل ما سوى الله ، وتطهرت روحه من كل ما لا ينتسب إليه ، فصار في حال فناء عن وجود السوى وشهود السوى وعبادة السوى ، وتجلىّ له الحق لأول وهلة ، فلم يصبر على ما شاهد ، بل اندفع يصرخ وهو سكران بحميا الرؤية: أنا أنت ! لقد فض له عن السر الأكبر ، فلم يقو على حمل هذه الأمانة العظمى في باطنه ، ففاض لسانه بالترجمة عنها حتى يكون في هذا تصريف لما انطوت عليه من شحنة هائلة - وتلك ظاهرة الشطح .
الشطح إذن: تعبير عما تشعر به النفس حينما تصبح لأول مرة في حضرة الألوهية ، فتدرك أن الله هي وهي هو . ويقوم إذن على عتبة الاتحاد . ويأتي نتيجة وجد عنيف لا يستطيع صاحبه كتمانه ، فينطلق بالإفصاح عنه لسانه . وفيه يتبين هذه الهوية الجوهرية فيما بين العبد الواصل والمعبود الموصول إليه ، فيتحدث على لسان الحق ، لأنه صار والحق شيئًا واحدًا ، ومن هنا ينتقل الخطاب إلى صيغة المتكلم بعد أن كان - في حال المناجاة - بصيغة المخاطب ، وفي حال الذكر بصيغة الغائب . لكن مَن المخاطِب ومن المخاطَب ؟
الأحرى أن يكون كلاهما واحدًا ، ولذا لا يفترض هنا ( غير ) أن يتوجه إليه
الخطاب ، وهذا هو الأصل في تحريم إذاعة ما يجري في النفس إبان هذه الحال . ومن أذاع فقد شطح .
لكن هل كان في وسعه ألاّ يذيع ؟