لم تميز اللغة العربية بين مضموني هاتين الكلمتين بوضوح يسمح للباحث بالركون
إليه ، وقد غاب عن مفكرينا الانتباه إلى ضرورة التمييز بينهما . فكانوا يترجحون بين التسوية والتمييز . حتى أن ابن عربي نفسه لم يسلم من هذا الترجح فنجد نصوصًا تميز وأخرى توحد ... إذن لن نطمح بنصوص من مؤلفات الشيخ الأكبر ترسم بجلاء صورة التمييز بينهما ، بل سنكتفي بإشارات وردت وبمكانة كل منهما من البنيان الفكري له لنتوصل إلى النقاط التالية:
تتفق المشيئة والإرادة في:
أولًا: أنهما نسبتان من النسب الإلهية .
إن وحدة ابن عربي لا تفسح في مجال الوجود إلا للذات الإلهية ونسبها ، فما ثمة إلا الذات من جهة ونسبها أو صفاتها أو أسمائها أو مجاليها من جهة ثانية .
فالمشيئة والإرادة نسبتان من نسب هذه الذات .
يقول ابن عربي:"فبالمشيئة ظهر أثر الطبيعة وهي غيب ، فالمشيئة مفتاح ذلك الغيب والمشيئة نسبة إلهية لا عين لها ، فالمفتاح غيب ..." ( ) .
ثانيًا: إن المشيئة والإرادة صفتا الفعل .
ترتبط المشيئة والإرادة ارتباطًا مباشرًا بالتكوين وما الوجود بأسره إلا مظهر لهما
ومجلى . وهذا ما يميز هاتين النسبتين عن الأمر الإلهي ، فالأمر الإلهي الذي يقسمه ابن عربي قسمين: تكليفي وتكويني ، لا ينفذ دائمًا بل تنفذ الإرادة والمشيئة .
وهذا مطابق للتنزيل الذي ألصق الفعل بهما جاعلًا إياه صفة لازمة تابعة بالضرورة ، يقول ابن عربي:"لا يغرنك قوله: ] لَوْ شِئْنَا [ ( ) ] لَوْ شَاءَ[ ( ) ، فإن المشيئة منه لا تتبدل ولا تتردد فقد شاء ما شاء ، وهي نافذة . فاثبت واسكن تحت مجاري الأقدار" ( ) .
تختلف المشيئة والإرادة في:
شمولها الظاهر في اتساع رقعة تعلقهما [ حيث ] يميز ابن عربي بين المشيئة الإلهية والقدرة الإلهية .