وبما أن رسالة سيدنا محمد عامة خالدة إلى قيام الساعة فإن لرسول الله وراثًا من العلماء العارفين بالله تعالى ، ورثوا عن نبيهم العلم والخلق والإيمان والتقوى ، فكانوا خلفاء عنه في الهداية والإرشاد والدعوة إلى الله ، يقتبسون من نوره ليضيئوا للإنسانية طريق الحق والرشاد ، فمن جالسهم سرى إليه من حالهم الذي اقتبسوه من رسول
الله .
ومن نصرهم فقد نصر الدين ، ومن ربط حبله بحبالهم فقد اتصل برسول الله ومن استقى من هدايتهم وإرشادهم فقد استقى من نبع رسول الله .
هؤلاء الورّاث هم الذين ينقلون للناس الدين ، ممثلًا في سلوكهم ، حيًا في أحوالهم ، واضحًا في حركاتهم وسكناتهم ، هم من الذين عناهم رسول الله بقوله: ] لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم
كذلك[ ( ) .
لا ينقطع أثرهم على مر الزمان ، ولا يخلو منهم قطر .
وهؤلاء الورّاث المرشدون صحبتهم ترياق مجرب ، والبعد عنهم السماع قاتل ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، مرافقتهم هي العلاج العملي الفعال لإصلاح النفوس ، وتهذيب الأخلاق ، وغرس العقيدة ، ورسوخ الإيمان ، لأن هذه أمور لا تنال بقراءة
الكتب ، ومطالعة الكراريس ، إنما هي خصال عملية وجدانية ، تقتبس بالاقتداء ، وتنال بالاستقاء القلبي والتأثر الروحي .
ومن ناحية أخرى ، فكل الإنسان لا يخلو من أمراض قلبية ، وعلل خفية لا يدركها بنفسه ، كالرياء والنفاق والغرور والحسد ، والأنانية وحب الشهرة والظهور ، والعجب والكبر والبخل ... بل قد يعتقد أنه أكمل الناس خلقًا ، وأقومهم دينًا ، وهذا هو الجهل المركب ، والضلال المبين .
قال تعالى: ]قُلْ هَلْ نُنَبِئُكُمْ بالاخْسَرينَ أعمالًا الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الحياة الدُّنيَا وهمْ يَحْسَبُونَ أنهمْ يُحسنونَ صُنْعًا [ ( )