فهرس الكتاب

الصفحة 3853 من 7048

وهذا الشخص يتستر بالطاعة ليعبر بها عن تقواه أمام الناس ، أما قلبه فهو منشغل بغير الله ، يقوم بظاهره بالطاعات وعمل الحسنات ، أما باطنه فهو مهتم بإقبال الناس عليه والثناء له ، فهو يرغب في الظهور والشهرة ، ووصف الناس له بالصلاح والتقوى ، فيرضى في باطنه بالمديح ، ويتألم ويقلق ويحزن إذا لم يمتدح على ما يفعله من أمامهم ، بل يهاجم ويعتدي على من يقصر في تبجيله ، ومن لم يسرع إلى خدمته ، ومن لم يهرع إلى استقباله واحترامه .

إنه يعتبر نفسه مستحقًا لثناء الناس ومدح الناس ورضى الناس ، وهذا في واقع الأمر داء عضال ، مما يصعب معه العلاج والشفاء ، لأن كل ما هو مستتر يصعب معرفته

وعلاجه ، لأنه يحتاج إلى دقة وبصيرة وإدراك عميق ، ومعرفة بخفايا النفس وخواطرها الشيطانية ، فالفاسق والعاهر والفاجر يمكن الحكم عليهم عن طريق التعرف على سلوكه ومظهره وكلامه وأقواله وأفعاله ، أما مدعي الولاية والإيمان والصلاح فإنه يظهر غير ما يبطن وأن ما يظهره هو ما يفرضه الله تعالى من الحلال والحرام في العبادات وصالح

الأعمال ، فلا يُكتشف أمره بسهولة ولا يتعرف أحد على دخيلة نفسه ومقصده إلا بطول تأمل وتفكير ، لأن ذلك من نوع الرياء الخفي الذي يستغلق على كثير من الناس ، فيقصد بطاعته الظاهرة توقير الناس له والثناء عليه في علمه وفضله ومسارعتهم إلى قضاء حوائجه والعمل على تلبية طلباته ومتطلبات حياته ، ويغضب على من يقصر في حقه ، لأنه يعتبر أن ذلك جهلًا بمقامه وإحباطًا لقدره الذي يستحقه ، فنفسه مغترة ، غرورة ، متكبرة ،

متجبرة ، يشارك الله سبحانه وتعالى في جبروته وفي ملكوته ، وربما تطاولت نفسه وهذا حالها إلى التوعد والوعيد بعقوبة من يقصر في حقه بدعوى أنه قريب من الله تعالى وأن غيره عارف بقدره ، عالم بقربه من الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت