فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهذا الرياء الخفي يدخل إلى النفوس مثل دبيب النمل ولا يسلم منه إلا العارفون بالله الذين لا يخلصون إلا لله ولا يطيعون إلا الله ، فقد غاب نظرهم عن رؤية الناس بما أودعه الله في قلوبهم من نور اليقين ، فلا يطلبون من الناس مصلحة أو منفعة ولا يرجون منهم خدمة ولا يخشون منهم مضرة ، وإنما أعمالهم خالصة لله سبحانه وتعالى وإن كانت ظاهرة للناس أجمعين .
فالطاعة هنا إنما هي ليست بإظهار التقوى والورع ، وإنما هي في الإخلاص والاجتهاد في تجنب الرياء عن القلب .
لذلك فإن أصحاب الحقيقة يشاهدون نفوسهم إذا مالت إلى عبادة من العبادات ، ويخافون إذا رأوا في أنفسهم سعادة وحظًا وسرورًا ، مما يقومون به من الطاعات فإذا ما وجدوا ذلك في نفوسهم تركوا هذا النوع من الطاعات والعبادات والمجاهدات ، ومثال ذلك أن بعض الصوفية وجد نفسه تبغي الخروج إلى الغزو وتأملها فوجدها ترجو لذاتها في هذا ، وعند ذلك استخار هذا العبد الصالح ربه أن يلهمه الحق والصواب ، فقال: يا ربي أرشدني إلى مقصد نفسي فإني أراني متهمًا لها ؟ عند ذلك راجع نفسه وفتش عما فيها من آفات ، فإذا به يراها تريد السفر للغزو من أجل الراحة والاستقرار ، من تعب المجاهدات والرياضات إذ إنه كل يوم يقتلها مرات ومرات ، وذلك بمنعها عن شهواتها ، فقررت هذه النفس أن تقتله مرة واحدة وذلك بالجهاد في سبيل الله لتستريح من هذا التعب المضني والمجاهدة اليومية والمنع والحظر والترويض والتأديب والتربية .
ولما علم هذا العبد الصالح هذا عن نفسه ، رفض السفر للغزو والجهاد واشتغل بتربية نفسه وتأديبها ، أي من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، وإذا حكمنا بميزان الظاهر على هذا العبد أدين لتكاسله عن الغزو أما إذا ما تم الحكم عليها ظاهرًا وباطنًا وجدناه سائرًا في طريق الله يبغي الثواب الأعظم ( ) .