فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فالشريعة والحقيقة صنوان لا بد لأحدهما من الآخر ، أما إذا أظهر الإنسان الطاعة الظاهرة بلا طاعة باطنة فإن ذلك معناه أنه خرج عن طريق الله ، لأنه قد وقع في الرياء الخفي ، لأن تطلع الإنسان وميله لإظهار الناس بطاعته وخصوصيته التي خصه الله بها من الأعمال الصالحة دليل على عدم صدقه في عبوديته ، لأن العبد الصادق لا يهتم بالآخرين ، ويكتفي بأن يعلم به رب العالمين ، ومن أحب أن يعرف الناس فضله وعمله فهو مراء ومن رغب في أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب ، إذ إن المؤمن الحقيقي هو الذي يخفي حاله ويجتهد في أن يجتهد في أن لا يذكره للناس وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما لديه من قوة .
والإنسان الذي يعصي الله أخف ضررًا من هذا المرائي ، لأن العاصي إنما هو ظاهر للناس ، ويمكن أن يقام عليه الحد ، ويمكن أن يتوب ويرجع عن آثامه وأخطائه ، وأما مريض القلب الذي يظهر غير ما يبطن فهو أكثر نفاقًا وكذبًا ورياء من العاصي فهو يستظهر الطاعات والأعمال الصالحات ويبطن الكفر والفسوق والعصيان .
والطاعة مسابقة بين العباد في الظاهر والباطن ، فكما أن بين الناس اختلافًا واضحًا في الطاعات الظاهرة فإن بينهم أيضًا اختلافًا واضحًا في الطاعات الباطنية ، فإذا طلب الإنسان أعلى الدرجات ، فعليه أن يجتهد حتى لا يسبقه أحد بطاعة الله ، وقد أمر الله تعالى بالمنافسة والمسابقة في الطاعات إذ قال تعالى ] سابِقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ[ ( ) وقوله تعالى
]وَفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسونَ [ ( ) .
فالطاعة عند أهل الحقيقة منافسة شريفة صادقة للتقرب إلى الله إلى أن يصل العبد إلى الثبات في المرتبة فتتلاشى مشيئته في الله وعند ذلك تصبح نفسه سلسلة ، سلمت واستسلمت وأصبحت في طاعة القلب وسلطانه ، وأصبح خاشعًا لله ، لذته في حبه صادقًا فيما يرد عليه من أنوار المنة الإلهية ( ) .