قلت: ليعلم أن الإنسان من حيث هو صاحب نقص ، فإن غلا ثمنه وعلا ، فلصفةٍ زائدة على ذاته خصه بها الملك الأعلى" ( ) ."
[ من مكاشفات الصوفية - 2 ] :
يقول الشيخ ابن قضيب البان:
"أوقفني الرحمن على حكمة تسوية مدينة الإنسان ، وقال لي: مثل بنية جسد ابن آدم وتركيبه من أجزاء العالم كمثل مدينة أسست وأتقنت من أشياء مختلفة ثم أحكمت بجمعها المؤلفة ، فشيدت عمارتها ، وحصن سورها وخطت شوارعها وقسمت محالها ، ورتبت منازلها ، وملئت خزائنها ، وسكنت دورها ، وسلكت طرقها ، وأجريت أنهارها وفتحت أسواقها ، واشتغلت صناعها ، وقعدت تجارها ، ودبرها ملكها ، وخدمه أهلها ، وأطاعها جندها ."
ثم قال لي: انظر حكمة ذلك وأسرار البدء فيه ! - فرأيت اختراع الطبائع أولا .
وقال لي: هي مفردات متغايرات متعاديات ، ألقوا بسلطانها ، وهي أساس هذه المدينة وأجزاءها وأركانها .
ثم كشف لي: عن حكمة أخلاطها وتعادي طباعها ومناسبات قواها التي جمعت من أركانها .
ثم رأيت حصون تسعة جواهر منها ، مختلفة أشكالها قد جعلها ملاك نباتها .
ورأيت حكمة التأليف لها وتركيب بعضها فوق بعض ، وقد جعلت متصلا ، أقامها خدامها بمائتي وثمانية وأربعين عمودا مستويات القد ، وسمرها ومد حبالها وشد أوصالها بسبعمائة وعشرين رباطا ممدودات ملتفات عليها .
ثم كشف لي: عن تقسيم بيوتها وخزائنها ، فرأيت بها إحدى عشرة خزانة علوية من جواهر مختلفة ألوانها ، قد فتحت أبوابها وأنفذ طرقاتها وخط شوارعها ، وجعل لها ثلثمائة وستين مسكنًا لسكانها .
وكشفت لي عن عين ماء فيها قد شق أنهارها بثلثمائة وستين جدولا مختلفات الجهات في جريانها ورأيت اثني عشر بابا مزدوجة قد فتحت في سورها .
ثم رأيت ثمانية صناع متعاونين على أحكام بناؤها قد أحكمت بناء هذه المدينة على أيديهم ، هم خدامها ؛ ورأيت قد وكل لحفظها خمسة حراس حرصا على حفظ أركانها .