ثم رأيت قد ارتفعت هذه البنية في الهواء على رأس عمودين ، ورأيت لها جناحين لحركتها إلى الجهات الست .
ثم كشف لي الحق تعالى: عن سكنة هذه المدينة فإذا هي قبائل من الجن والملائكة وقد رأَّس عليهم ملكا واحدا علمه أسماء من فيها كلهم وأمره بحفظها وأوصاه بحسن سياستها وقال له: أنبئهم بأسمائهم ثم أمرهم بطاعته ، فقال: اسجدوا لآدم .
ثم رأيت حكمه ، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس .
ثم قال لي: أما الأركان التي أسست بها هذه المدينة وشيدها هذا البناء فهي العناصر ، وهي أمهات العالم الحسي . وكشف لي عنها ، فإذا هي النار والهواء والماء والأرض .
ثم كشف لي عن أرواحها ، فإذا هي الحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة ، ثم أراني اخلاطاتها من المدينة الإنسانية ، فإذا هي الصفراء والسوداء والدم والبلغم .
ثم كشف لي عن التسعة الجواهر ، فإذا هي العظام والمخ والعصب والعروق والدم واللحم والجلد والعضل والشعر . وقال لي: بها قيام المدينة وعمارها ؛ فإذا فسد الأخلاط وروح الفيض انهدم .
ثم كشف لي عن طبقاتها العشرة فإذا الأول الرأس ، وهو محل المعاني الحكمية والقوى الذاتية . والثانية: الرقبة وهي الباب لدخول الأسرار ولخروج العلوم الغيبية . والثالثة: الصدر . والرابعة: البطن . والخامسة: الجوف ، والسادسة: الحقوان . والسابعة: الوركان . والثامنة: الفخذان . والتاسعة: الساقان ، والعاشرة: القدمان .
وقال لي: عمال بناء هذه المدينة حسًا عظامها ، ورباطاتها الأعصاب .
ثم كشف لي: عن الإحدى عشرة خزانة ، فإذا هي: الدماغ والنخاع والرئة والقلب والكبد والطحال والمرارة والمعدة والأمعاء والكليتان والأنثيان .
ثم كشف لي: عن الشوارع والطرقات ، فإذا هي العروق الضوارب ، والأنهار هي الأوردة ، والأبواب الإثنى عشر: هي العينان والأذنان والمنخران والفم والسرة والثديان والفرجان .