وبذلك خلع الفقيه أردية العباد ليرتدي أزياء رجال القانون ، وترك محاريب التقوى ليحتل مناصب الدنيا وأعرض عن الأخلاقيات والمثاليات ليسبح مع السابحين وليثب مع الواثبين الى لمع الجاه ومتاع الحياة ، وما تزخر به الدنيا من مفاتن ومباهج .
ومن هنا انفصل الفقه عن التصوف او انفصل المتصوفة عن الفقهاء واختلفا طريقًا ونهجًا ، وغاية وهدفًا .
يقول ابن خلدون في مقدمته متحدثًا عن نشأة التصوف وعن سمات اصحابه:"واصله ان طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع الى الله تعالى والاعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال و جاه ، وكان ذلك عامًّا في الصحابة والسلف ."
ولما نشأ الاقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس الى مخالطة الدنيا ، اختص المقبلون على الله بأسم الصوفية"."
اختص المتصوفة بشهادة الكاتب الكبير ابن خلدون ، بالأخلاق الإسلامية التي كان عليها الصحابة رضوان الله عليهم ، وبالإقبال على الله والإعراض عن زخرف الدنيا
وزينتها ، والزهد فيما يتنافس فيه الناس بل فيما يتقاتل عليه القطيع العام من البشرية .
واختص المتصوفة ايضًا بانهم ربطوا بين العلم والعمل ، فالفقيه عندهم هو العالم
العابد ، هو الذي ينبع ايمانه من قلبه لا من عقله ، هو الذي يطابق عمله علمه , لأن العقيدة هي العمل ، ولأن التعبد شرط العلم الديني .
كما امتاز المتصوفة بابتعادهم عن الجدليات اللفظية والتفريعات الافتراضية التي تباعد بين المسلم وجوهر دينه ، والتي تشغل العقل الإنساني عن واجبه الأول وهدفه الأسمى ، واعتبروها سفسطة دخيلة على الإسلام بعيدة عن روحه الفطرية السليمة ، أولى منه ثم أولى الاشتغال بما يطهر القلب ، ويزكي الجوارح ، ويلهم الروح طاعة الله والعمل على رضاه .