فهرس الكتاب

الصفحة 4703 من 7048

كما شاهدوا بأعين فزعة ، جزعة المتصوفة يكونون لأنفسهم علومًا ومعارف من إلهامات الروح ومعارج القلوب ، وأنهم قد ابتدعوا فنونًا في المحبة الالهية وما تحتوي عليه هذه المحبة من وجد وشوق وجذب وفناء وسر وأسرار ، ومبتكرين أيضًا الوانًا أخلاقية في الذكر والخلوة والمناجاة ، ومثاليات تطوف حول عبادات أوجبوها على انفسهم فوق الفرائض والنوافل ، مقيمين من ذلك كله دستورًا ضخمًا يدور حول امراض القلب وادويتها ، وخفايا النفوس ووساوسها ، ومجالات الروح والهاماتها .

وكل هذا بدا في نظر الفقهاء او في نظر أكثرهم ابتداعًا في الدين وانحرافًا عن الحياة المثلى ، وتمردًا على ما اصطلحت عليه العقول في بناء الحياة الدنيا .

وأخطر من هذا ، المظهر الدنيوي بينهما ، فقد آمن رجال الفقه بأنهم وحدهم سادة الجماهير ، وأنهم وحدهم سدنة الدين وحراس نبعها المقدس ، وليس لغيرهم أن يرتدي ثوب الدين وقداسة هذا الثوب ، وليس لغيرهم ان يقول في الدين برأي او يلقي في مشكلاته بدليل او حجة .

ومع إيمان الفقهاء بهذا فقد انتزع المتصوفة الجماهير من قبضة الفقهاء وتزعموها

دونهم ، واحتفظوا بهذه الزعامة على التاريخ رغم ما بذل في سبيل هدمها وزلزلتها .

وكان هذا وحده كفيلًا بأن يزكي نار الخصومة ، وأن يلهب الحقد في قلوب الفقهاء ، فيعلنوها حربًا قاسية على التصوف والمتصوفة ، حربًا استغلت فيها كافة الأسلحة من التكفير كما حدث في محنة التصوف الكبرى التي تعرف في التاريخ ( بمحنة غلام الخليل ) حيث قدم للموت ، أبو علي الدقاق ، وأبو الحسين النوري ، وغيرهما من أئمة التصوف باسم الكفر والزندقة . إلى الدس الرخيص لدى الأمراء والملوك بدعوى حماية العرش وتدبير المؤامرات كما حدث في مأساة الحلاج ونكبة السهروردي . إلى القتلة الغيلة في جنح الظلام كما حدث للمناوي تلميذ الشعراني الأكبر وصاحب الكواكب الدرية في طبقات الصوفية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت