ورغم تلك الخصومة الحادة التي حملها جمهرة الفقهاء للتصوف والمتصوفة كان أئمة الفقه جميعًا ، من المتصوفة خلقًا وعملًا وحبًا بلا استثناء مما يحملنا على الاعتقاد بأن أساس الخصومة دنيويًا لا دينيًا .
كان أبو حنيفة فقيهًا صوفيًا ، وكان الشافعي يرسل دقائق المسائل الفقهية إلى أبي حمزة الصوفي ويقول: علمنا يا صوفي . وكان يقول:"استفدت من الصوفية طول صحبتي لهم سنين ، قولهم: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك ، وقولهم: إن لم تشغل نفسك بالخير شغلتك بالشر".
وكان أحمد بن حنبل يتنسك تنسكًا صوفيًا ويأمر ابنه بملازمة الصوفية ليصفوا له دينه"وقد سئل: من الناس . فقال: العلماء . ومن الملوك . فقال: الصوفية . ومن السفلة . فقال: الذين يعيشون بدينهم".
وكذلك كان مالك والليث بن سعد وسفيان الثوري ، حتى أن المتصوفة قد أرخوا لهؤلاء جميعًا في طبقاتهم باعتبارهم من أئمة التصوف ورجاله الأوائل .
وكذلك كان كبار المتصوفة فقهاء علماء . أرخ لهم الفقهاء في طبقاتهم على اعتبارهم من السادة الفقهاء رجال التشريع ، كالجنيد والحسن البصري ومحي الدين ابن عربي والغزالي والشعراني .
فالحقيقة التي تعلوا على خصومات التاريخ أن التصوف ، والفقه ، توأمان متلاصقان لا يعيش أحدهما بغير الآخر . ووجهان لفكرة واحدة هي الإسلام الذي لا تكمل معانيه ، تشريعًا ، وخلقًا ، وروحًا وجسدًا إلا باتحادهما ، كما يقول أحمد بن حنبل:"من تصوف ولم يتفقه فقد تفسق ، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق".
ويقول الأستاذ آدم متز في كتابه ( الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ) :
"رغم خصومة المتصوفة والفقهاء نجد بين العلماء كالشافعية مثلًا كثيرًا من الصوفية ، وهذه حقيقة واقعة ، وكانت علوم الصوفية الدينية أهم العلوم وأكثرها نجاحًا ، فقد كانت هي الحركة العلمية التي ضمت أعظم القوى الدينية في ذلك العهد".