فهرس الكتاب

الصفحة 4888 من 7048

وهم لا يرون أن تلك المذاقات وحدها هي المرادة ، وإنما يأخذونها إشارات من الله لهم بعد إقرار ما قاله أهل الظاهر من تفسير باعتباره أصل التشريع . وجلي بعد ذلك أنه لا مجال لمعترض ممن ينكر عليهم مذاقاتهم ، ويراها ميلًا بكلام الله عن مجراه ما داموا لا يأخذون بمذاقاتهم وحدها ، وإنما يأخذون بها مع إقرارهم لتفسير أهل الشرع . فلا يعنينا من ذي جدل أن يقول عن هذه الإشارات أنها إحالة لكلام الله ـ عز وجل ـ وتغيير لسياقه ومجراه ، لأن ذلك يصدق لو قالوا: إنه لا معنى للآية إلا هذا ، وهم لا يقولون ذلك بل يقرون الظواهر على ظواهرها ويفهمون عن الله ما أفهمهم .

وذلك مصداق الحديث الشريف: ] لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع[ ( ) ، فالباطن لا يعارض الظاهر ، والظاهر لا يعارض الباطن . وذلك النهج بعيد كل البعد عما نادى

به ( الباطنية ) من الأخذ بباطن القرآن لا ظاهره ، وقصرهم معاني القرآن على ما ادعوه من تفسيراتهم دون غيره ، لأنهم بذلك لا يقرون الشريعة ويبطلون العمل بها . وهم لا يخضعون دعواهم للنص القرآني بل يخضعون النص القرآني لدعواهم .

وهنا يزول ما التبس على البعض من أن مذاقات الصوفية في القرآن الكريم نزعة باطنية فبينهم وبينها آماد وأبعاد ، بل إنهم لبريئون منها ، ولينكرونها كل الإنكار ، وواضح ذلك من أنهم يأخذون بالباطن بعد الأخذ بالظاهر ، ويقرون الحقيقة بعد الأخذ بالشريعة . ويرون أن الحقيقة نفسها أساسها الشريعة ، فالفرق ثمة كبير ، والبون شاسع وعظيم .

ولا مجال بعد هذا الإيضاح لإنكار من ينكر على الصوفية مذهبهم في الإشارات وما يختصهم الله به في كلامه وكلام رسوله من الأسرار والفيوضات .

على أن تلك الإشارات أمر مشروع أقره الحديث المذكور آنفًا: ] لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع [ ، فأربابها متبعون لا مبتدعون اختصهم الله بأسراره في آياته ليكونوا مصابيح الهدى في غسق الدجى كما أقره عمد الدين ، وذوو العلم من المؤلفين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت