فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
على أن أهل التحقيق لا يدّعون أنه محال على غيرهم ما يفاض به عليهم ، ولكنهم يعتقدون أن كل إنسان لديه الاستعداد لما عندهم غير أنهم فتحوا عيون قلوبهم ، فاطلعوا على ما اطلعوا من أسرار ، وغيرهم فتحوا نوافذ تفكيرهم فوقعوا في الحيرة والوهم ، وقاسوا بعقولهم مذاقات تلك القلوب فأنكروها ، ولو أنهم فتحوا عيون قلوبهم كأهل الله لكان أمرًا عاديًا ما استغربوه بل لاعتقدوا اعتقادًا جازمًا ما أنكروه .
فليعي كل ذي لب قدر هؤلاء الصفوة من أهل التحقيق ، وليدرك أنهم ملهمون إن نطقوا ، فلا ينطقون بأنفسهم وإن أشاروا فمحرك الإشارة فيهم مولاهم . وارجع إلى الصدر الأول من عصر المسلمين الزاهر تجد أن من أئمة هؤلاء الملهمين سيدنا عمر بن الخطاب {رضى الله عنه} والذي قال فيه رسول الله: ] إن من أمتي مكلمين ومحدثين وإن عمر منهم[ ( ) .
ومنهم الامام علي بن ابي طالب الذي أشار الى صدره بعد أن تأوه مرتين ثم
قال: ( إن ها هنا علومًا جمة لو وجدت لها حملة !!! ) .
ويروى عنه أنه قال: ( لو شئت لأوقرت من تفسير الفاتحة سبعين بعيرًا ) أولئك هم علماء الله بحق ، الذين عناهم رسول الله بقوله: ] إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله ـ عز وجل ـ [ ( ) .
ذلك نزر يسير مما عليه أهل الإشارات من مكانة ، وقدر ضئيل مما شرفهم الله به من منزلة ، ونستطيع بعد ذلك أن نعرض من مميزات وخصائص علم الإشارة ما يأتي:
أولًا: علم الإشارة لا ينظر إلى قصص الأنبياء في القرآن الكريم على أنها قصص قد انتهت بأنتهاء أممهم ، وأن تلاوتها الآن للعظة والاعتبار فحسب ، وإنما يرون مع ذلك أن الخطاب بها ما زال قائمًا يوجه الإنسان في كل عصر وأوان باعتبار مملكة الله الصغرى التي انطوى فيها العالم كله ، فمثلًا يرمزون لموسى بالقلب أو الروح وإلى فرعون بالنفس .