فهرس الكتاب

الصفحة 5071 من 7048

قبل منتصف القرن السابع بقليل ، نقف عند خاتمة المحققين كما يُنعت الشيخ محي الدين بن عربي ، وقد كان مجليًّا في كل شيء ، فاستوعب آراء السلف ، وامتدت آراؤه لتفرض هيمنتها على تفكير خلفه من الصوفية ، فكان بحق علامة تحوّل بارزة ، قلّ نظيرها في مسار الفكر الصوفي . وكانت الأحوال والمقامات من ضمن الأبواب التي فتق رتقها ، وفصّل مجملها ، ووطد أركان مفاهيمها على نحو مبتكر ، وإن أفاد من سابقيه وثقافة عصره ولكنها الفائدة التي تضمحل في عباب فكره وأصالة رأيه . وقد عمل الشيخ على تحرير الأحوال والمقامات من أسر أفقها التقليدي المحدود ، ونقلها إلى أفق واسع رحيب ، بحيث تفسر تفسيرًا أنطولوجيًا موصولًا بالوجود الحق نفسه ، مما يتعسّر على الباحث ، بل يكاد يستحيل حصر الأحوال والمقامات في عدد معين ( ) نظرًا لهذا الربط .

كتب ابن عربي في قوله تعالى حكاية عن الملائكة: ] وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [ ( ) :

"وهذا كل موجود ما عدا الثقلين ، وإن كان الثقلان أيضًا مخلوقين في مقامهما ، غير أن الثقلين لهما في علم الله مقامات معينة مقدّرة عنده ، غُيّبت عنهما ، إليها ينتهي كل شخص منهما بانتهاء أنفاسه ، فآخر نفس هو مقامه المعلوم الذي يموت عليه" ( ) .

وقبل الاسترسال في تفاصيل رؤية ابن عربي الأنطولوجية لنظام الأحوال والمقامات ، يجدر التنبيه إلى أنه يوافق السلف آراءهم ، وهو في أغلب الأحيان يعرضها أولًا ، وقد يعقّب باستدراك معين أو يوضح مبهمًا ، ثم ينتقل إلى معاينته الخاصة ، ويبسطها في ضوء فلسفته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت