يقول:"ولشيوخنا في هذا المقام حدود ، أذكر منها ما تيسر ، وأبين عن مقاصدهم فيها بما يقتضيه الطريق ، وهكذا أفعل إن شاء الله في كل مقام إذا وجدنا لهم فيه كلامًا ، على أنهم إذا سئلوا عن ماهية الشيء لم يجيبوا بالحد الذاتي ، لكن يجيبون بما ينتج عن ذلك المقام فيمن اتصف به ، فعين جوابهم يدل على أن المقام حاصل لهم ذوقًا وحالًا" ( ) .
وقوله: إذا سئلوا عن ماهية الشيء لم يجيبوا بالحد الذاتي ، يدل على أن ابن عربي كان معنيًا باستخراج أحكام المقامات من خلال حدودها الذاتية ، وبما هي عليه ، لا بما تعطيه الحالة الذوقية بالنظر إلى صاحب المقام فحسب ، لأنها بهذا النظر الأخير لا تدل بالضرورة على الحد الذاتي للمقام نفسه .
وهذا يدعونا - على هامش هذا الكلام - إلى إعادة النظر في تباين أقوال المشايخ على المقام الواحد ، إذ كل واحد منهم يحد المقام حدًا ذوقيًا غير كامل ، وعليه فإن ابن عربي عندما يستخرج الحد الذاتي للمقام (=الموضوعي ) فإنما تكون حالته الذوقية له قد وصلت إلى أقصى درجات الذروة من الفناء فيه ، مما يكسبه أهلية الوصف بالحد الذاتي على حد تعبيره ، أما في ما يتعلق برؤيته الأنطولوجية للأحوال والمقامات ، فيمكن حصرها في أصلين:
الأول: يبنيه على الآية: ] كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ ( ) وبيانه في قوله:"اعلم أن الحال نعت إلهي من حيث أفعاله وتوجهاته على كائناته ... قال تعالى عن نفسه ] كل يوم هو في شأن [ ... فهو فيه [ اليوم ] في شؤون على عدد ما في الوجود من أجزاء العالم .. وتلك الشؤون أحوال المخلوقين لوجودها فيهم .. والأحوال أعراض تعرض للكائنات من الله ، يخلقها فيهم ، عبّر عنها بالشأن الذي هو فيه دنيا وآخرة . هذا أصل الأحوال الذي يرجع إليه في الإلهيات" ( ) .