ولقد كان الصوفية قديما وحديثا يضربون في الأرض للعيش والكسب من فضل الله تعالى ، وتدل ألقاب المتصوفين على أعمالهم التي كانوا يزاولونها في حياتهم اليومية لكسب قوتهم فمنهم: الوراق ، والخواص ، والبزاز ، والحلاج ، والزجاج ، والصيرفي ، والفراء ، وكان بعضهم فقيرا والآخر غنيا ومنهم العازف عن الدنيا ومنهم أصحاب ثروات عظيمة التي يؤدون فيها حق الله وينفقون منها في سبيله: ] وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[ ( ) .
والفرق بين الصوفية وغيرهم هو أن الدنيا لا تستعبدهم وإنما تستعبد غيرهم ، وأنهم لا يلقون بقيادهم إلا لله سبحانه وتعالى ، فلا يلقون بقيادهم في مال أو جاه أو منصب أو رياسة أو غير ذلك مما يذل أهل الدنيا وأهل الأهواء الذين يتخذون دنياهم وأهوائهم آلهة يعبدونها من دون الله ، إنهم اغنياء أو فقراء تحققوا بقوله تعالى: ]لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُم [ ( ) .
وتتضح هذه الأمور في الحقائق الاتية:
بينما كان الشيخ الغوث عبد القادر الكيلاني جالسا في مجلسه يعض مريديه خطر على قلب أحد المريدين خاطر يقول: كيف يمكن أن يكون قيد فرس الشيخ مصنوعا من الذهب وهو الشيخ الزاهد سلطان العارفين العازف عن الدنيا وزخرفها ؟! ولما انتهى الشيخ من وعظه مثل بين يديه فقير ذو خصاصه ( ) ، فعرض على الشيخ حالته فأمر الشيخ خادمه بأن يعطيه قيد الفرس الذهبي ليسد الفقير به حاجته ، ثم التفت إلى ذلك المريد وقال: لمثل هذه المواقف نجمع المال ونحتفظ به يا ولدي .