فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لقد تنزل جبريل {عليه السلام} بأمر ربه ليعلّم الناس أمور دينهم ولينبه على سر من جلس بين يديه وكأنه يقول: إذا كنت أنا أسأل وأصدق على سؤالي ، فكيف بمن اجتاز حجب النور حين وقفت أنا لا أستطيع الاجتياز لها ، فإنه معلمي ومعلمكم ولكنها قوانين التربية تفرض شروطها ليصح التكليف .
قال الإمام جعفر الصادق {عليه السلام} :"عَلِمَ الله عجز خلقه عن طاعته ، فعرفهم ذلك لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته ، فأقام بينهم مخلوقًا من جنسهم في الصورة ، فقال: ] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [ ( ) ، فألبسه من نعته الرأفة والرحمة ، وأخرجه إلى الخلق سفيرًا صادقًا ، وجعل طاعته طاعته ، وموافقته موافقته ، وقال: ] مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه [ ( ) " ( ) .
ولا يعرف التأريخ غير سيدنا محمد أحدٌ أفرغ الله تعالى وجوده في الوجود الإنساني كله ، كما تنصب المادة لتمتزج بها ، فتحدث منه الجديد ، فإذا الإنسانية تتحول به وتنمو ، وإذا هو وجود سار فيها ، وما تبرح هذه الإنسانية تنمو به وتتحول وكأن الله تعالى ألقى في رمال الجزيرة روح البحر وبعثها بعثه الإلهي لأمره ، فكان النبي هو نقطة المد التي يفور البحر منها ، وكان المسلمون أمواجه التي غسلت بها الدنيا .
لهذا سمع المسلمون الأولون كلام الله تعالى في كتابه وكلام رسوله لا كما يسمعون القول ، ولكن كما يتلقون الحكم النافذ المقضي ، ولم يجدوا فيه البلاغة وحدها بل روعة أمر السماء ، واتصلوا بنبيهم ثم بعضهم البعض لا كما يتصل إنسان بإنسان ، بل كما تتصل الأمواج بقوة المد كما يمد بعضها بعضًا في قوة واحدة .
حققوا في كماله وجودهم النفسي ، فكانوا من زخارف الحياة وباطلها موضع الحقيقة الذي يرى فيه الشيء لا شيء .