لقد كان أصحاب النبي على قدر كبير من هذه المحبة ، فكانوا يؤثرونه على كل ما يحبون ، وكانوا في غاية الأدب عند صحبته ومجالسته ، وكأن على رؤوسهم الطير ، وكانوا يتبركون بآثاره ويتزاحمون للحصول على ريقه وعرقه وفضل شرابه ووضوءه ، وكانوا يتحرّون مواضع زوله وجلوسه وصلاته ويتبعون مواضع يده من الطعام ويحتفظون بآثاره التي هي عندهم أغلى وأفضل من كل شيء وبهذا وصفهم عدوهم بعد رجوعه من مفاوضة صلح الحديبية إذ قال لقومه: ( والله لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي فما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه كما يعظمون أصحاب محمد محمدًا ، إذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على فضلة وضوءه ، واذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له ولم تقع نخامة له إلا في يد رجل يدلك بها ) ( )
والرسول يرى ذلك ولا ينكره ، وكيف ينكر ما من شأنه أن يقوي نور الإيمان في قلوب أصحابه ؟
من الشواهد على ما تركه حضرة الرسول من آثار نورانية في الأشياء تبرك بها وتعلق الصحابة والتابعين ومن تبعهم ، نذكر ما يأتي:
أثر شعره والتبرك به
"عن أنس {رضى الله عنه} قال: رأيت رسول الله والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا وفي يد رجل ( ) ."
"وكان خالد بن الوليد {رضى الله عنه} قد فقد قلنسوته في أحد المعارك فقاتل أشد القتال حتى استعادها ثم سئل فقال: إنها تحوي شعرتين من شعر رسول الله وبهما كنت أتبرك وانتصر ."
"وعن أم سلمة زوج النبي أنها تحتفظ من شعر النبي في جلجل لها ( يشبه القارورة يحفظ به ما يراد صيانته ) فكان إذا أصاب أحدًا من الصحابة عين أو إذى أرسل إليها إناء فيه ماء فجعلت الشعرات في الماء ثم أخذوا الماء يشربونه توسلًا للاستشفاء"
والتبرك به ( ) .
"عن أنس بن مالك أن النبي … أتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر وقال للحلاق: ] خذ [ . وأشار إلى جانبه الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم جعل يعطيه الناس ( ) ."