فهرس الكتاب

الصفحة 694 من 7048

أما الابتلاء بمعنى النعمة والمنّة الإلهية والعطايا الربانية فإنما هي مذكورة في الآية الكريمة في قوله تعالى: ] خَلَقْنا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعًا بَصيرًا [ ( ) وقوله عز من قائل: ] فَأَمّا الإنسان إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقولُ رَبّي أَكْرَمَنِ[ ( ) .

فالابتلاء هو نوع من التجارب التي يمر بها السالك إلى الله ، سواء كان خيرًا أو شرًا ، نعمة أو نقمة ، يمتحن بها الله عباده ، وينعم عليهم ، وإن أكثر الخلق وأعظمهم ابتلاء هم الأنبياء . وإن الرسول محمد أكثر الأنبياء بلاء من الله ، وتأييدًا لذلك قوله: ]نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء[ ( ) .

ويجوز أن يكون البلاء من الله مالًا يغدق على أحدهم ، كما يجوز أن يكون نقصًا في المال والولد ، أو جوعًا وخوفًا وحرمانًا ، وذلك كما في الآية الكريمة: ]وَنَبْلوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعونَ [ ( ) ، فإذا ابتلي الإنسان بالشر ولم يكن صابرًا مجاهدًا راضيًا ، اعترض على ابتلاء الله وخرج عن طريق الطاعة والإخلاص فسقط وانتكس وأصبح من الخائبين ، فلو صبر على ما ابتلاه الله به ورضي بما قسم له لأنعم الله عليه بنعمة من عنده ورحمة ورضوان ، ووصل إلى منتهى غاية السالكين .

وكذلك يبتلي الله بعض الزهاد والعباد والنساك بالخير الوفير ليعلم مدى إخلاصهم ، وهل يزدهم من الله إيمانًا وورعًا وصدقًا ؟ أم إنهم سيفتنون بهذه الخيرات الزائلة فيقعون في حبائل الشيطان ويكفروا بالله ويبتعدوا عن طريق الحق ؟

والمعروف أن الزهد بالمعنى الصوفي هو أن يكون عندك المال والجاه ، وتزهد فيه ، وليس الزهد أن لا يكون عندك فتزهد ، لأن الزهد في حقيقته هو غنى النفس عن متاع الدنيا وإقبال على الله في احتياج وفقر دائم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت