[ مبحث صوفي ] : الجبرية عند الصوفية
يقول الباحث محمد غازي عرابي:
"شغل موضوع الجبرية والحرية جبابرة العقول البشرية مذ بدأ أول مؤمن يفكر . واختلف الناس في هذا الموضوع اختلاف الفلاسفة في اكتشاف حقائق هذا الوجود الغامض والمحير . وما يزال عامة المسلمين حتى يومنا هذا يتساءلون أن كيف يكون الإنسان مخيرًا مع سبق الله بالعلم لما سيفعله ؟ فالحرية تستوجب بالفعل ضرورة عدم إمكان الحكم مسبقًا على ما سيكون الفعل ذاته ، وإلا لبطلت كونها حرية . فكيف يمكن الجمع بين مدلول كلمة الحرية وعلم الله المسبق للفعل الإنساني ؟"
ويقول الصوفيون: أن الإنسان مجبور على الاختيار ، وهو قول ينبغي تفسيره لتناقضه الظاهري . فعين الإنسان ذاته ، ولعين الإنسان عين هي الذات الإلهية ، والفكر مستند أصلا إلى الذات ، والذات الإنسانية مستندة أيضًا إلى الذات الإلهية . وعند التفكر قبل مباشرة العمل ، يعيش الفكر عملية اختيار تبتُّه الذات الإنسانية ، التي هي الذات الإلهية ، طبقًا لإشعاع الصفة التي هي إسم من أسماء الله الحسنى . ومن هنا قالت الصوفية: أن الإنسان مجبور على الاختيار . فمهما فكر الفكر فالحكم للذات التي هي عين العيان ، ومهما فكرت الذات فالحكم أخيرًا لذات الذات التي هي عين العين .
فشعاع الشمس إذا وقع على شيء ما في غرفة مظلمة أضاءه ، أما ما ظل بمنأى عن شعاع الشمس فهو مظلم بالضرورة .
وبعد فهل نسمي هذا التفسير الصوفي لفعل الإنساني جبرًا أو اختيارًا ؟ الحقيقة أن الصوفيين يثبتون الله وينفون ما عداه . ولهذا قالوا أن الفعل لله والكسب للعبد . وقالوا تقادير غيب تجلت على قلوب البرايا بخير وشر . ونفوا أن يكون إبليس خرج عن طاعة الله بغير علم الله مسبق ، ووصموا من جعلوًا للخير إلهًا وللشر إلهًا بالشرك وقالوا: إنهم إثنينيون .