ولذلك عد البصراء من العلماء أسمى درجات الإيثار أن يؤثر الإنسان رضى ربه على رضى من عداه ، فيفعل المرء ما فيه مرضاة خالقه ، حتى ولو غضب المخلوق ، وهذه الدرجة من درجات الإيثار هي درجة الأنبياء والمرسلين ، وإمامهم فيها هو خاتمهم سيدنا محمد ومن هنا قال ابن القيم:"إيثار رضا الله ـ عز وجل ـ هو أن يريده ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء ، وأعلاها للرسل {عليه السلام} ، وأعلاها لأولي العزم منهم ، وأعلاها لنبينا ، فإنه قاوم العالم كله ، وتجرد للدعوة إلى الله ، واحتمل عداوة القريب والبعيد في الله تعالى ، وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه ، ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم ، بل كان همه وعزمه وسعيه كله مقصورًا على إيثار مرضاة الله تعالى ، وتبليغ رسالاته وإعلاء كلماته ، وجهاد أعدائه ، حتى ظهر دين الله على كل دين ، وقامت حجته على العالمين ، وتمت نعمته على المؤمنين ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده ، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه ، فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال".
إيثار التضحية بالنفس
ومن أكرم ألوان الإيثار ، إيثار التضحية بالنفس على استبقائها ، وبذلها بلا خوف دفاعًا عن عقيدة أو حرمة أو وطن ، وقد أشاد مسلم بن الوليد بمثل هذا الإيثار حين قال:
يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود
النهي عن الأثرة
وإذا كان الإسلام قد حث على الإيثار ، لأنه فضيلة أو مكرمة فقد نفر من الأثرة والاستئثار فقال: ] ستكون بعدي أثرة[ ( ) أي يستأثر بعضكم على بعض .
والاستئثار: هو تفرد الإنسان بالشيء دون غيره ، وكذلك قال للأنصار y: ]إنكم ستلقون بعدي أثرة ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض [ ( ) . أي يستأثر عليكم فيفضل غيركم عليكم .
الإيثار المذموم