أما القلب: فهو التقلب بين وسوسة النفس وضغط الروح لرد النفس إلى حدها . وهو مقام خص للمخلصين من نار الشيطنة ، ولكن مع ذلك لا يفسح المجال لكشف أي أفق من آفاق التوحيد . فالعبد ههنا مخير ، متردد محتار ، تارة يجنح إلى جانب النفس ويسمع لها ويأخذ برأيها ، وتارة يستمع إلى جانب الروح فيندم على ما فات ويتوب ويتبع الصراط المستقيم ، وهو في هذا التردد يمثل مرحلة الاختيار الإنساني ، ولذلك كان صاحبه معتمدًا على نفسه ، مؤمنًا بان مصيره بين يديه ، وإن شاء اتبع سبيل الهدى وإن شاء ركب طريق الضلالة . وجُل المسلمين هم في هذا الحيز . فالعلماء والباحثون الذين اعتمدوا الحرية الإنسانية ومسؤولية الإنسان إنما اعتمدوا في بحوثهم على تأمل النفس البشرية وهي في مجال التقلب .
فالله ههنا بعيد وهو يمثل أقصى اليمين ، ولما كان الله قد أعلن انه قريب وأدنى من كل قريب وأنه معنا ، لذلك وجب رجم القلب أيضًا كما رجمت النفس من قبل . والرجم بسبع حصوات ، والسبع رمز إلى الصفات السبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر ، وهي كما ترى صفات إلهية ، ما إن يتحقق العبد بها حتى يرى قرب الله منه ، وفعاليته فيه ، فيتبرأ من كونه حر في مجال التقلب ، وقادرًا على البت في موضوع مصيره بالذات .. وأحاديث النبي في موضوع القدر وثيقة الصلة بهذا التحقق بالذات .