وَأَمَّا السُّنَّةُ فَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَجَاءَ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ. (1)
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِعُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَاةً، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي أَنْ يَبِيعَ مَا يَشْتَرِيهِ، فَيَكُونُ بَيْعًا فُضُولِيًّا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبْطِل الْعَقْدَ، بَل أَقَرَّهُ فَدَل عَلَى أَنَّ مِثْل هَذَا التَّصَرُّفِ صَحِيحٌ يُنْتِجُ آثَارَهُ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الإِْجَازَةِ (2) .
وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَقَدْ قَاسُوا التَّصَرُّفَ الْمَوْقُوفَ عَلَى وَصِيَّةِ الْمَدِينِ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ، كَبَيْعِ الْمَرْهُونِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَعَلَى الْعَقْدِ الْمَشْرُوطِ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ مِنَ الْمَدِينِ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ لِمَالِهِ تَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ، فَالْوَصِيَّةُ تَصَرُّفٌ صَحِيحٌ وَلاَ حُكْمَ لَهُ فِي الْحَال، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ الْمَشْرُوطُ فِيهِ الْخِيَارُ تَصَرُّفٌ صَحِيحٌ وَلاَ حُكْمَ
(1) حديث عروة البارقي:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح منه". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 632. ط السلفية) من حديث عروة
(2) تبيين الحقائق للزيلعي 4 / 103، الطبعة الأولى، وفتح القدير 5 / 309 وما بعدها.