وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي رُكْنِ الْوَصِيَّةِ:
فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: الرُّكْنُ هُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول، الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي وَالْقَبُول مِنَ الْمُوصَى لَهُ، فَمَا لَمْ يُوجَدَا جَمِيعًا لاَ يَتِمُّ الرُّكْنُ، وَقَالُوا: إِنْ شِئْتَ قُلْتَ رُكْنُ الْوَصِيَّةِ الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي وَعَدَمُ الرَّدِّ مِنَ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ رَدِّهِ.
وَقَال زُفَرُ: رُكْنُ الْوَصِيَّةِ هُوَ الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي فَقَطْ، وَاسْتَدَل بِأَنَّ مِلْكَ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْزِلَةِ مِلْكِ الْوَارِثِ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمِلْكَيْنِ يَنْتَقِل بِالْمَوْتِ ثُمَّ مِلْكُ الْوَارِثِ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولِهِ، فَكَذَا مِلْكُ الْمُوصَى لَهُ.
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ وَالصَّاحِبَانِ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول مَعًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} ) (1) فَظَاهِرُهُ أَنْ لاَ يَكُونَ لِلإِْنْسَانِ شَيْءٌ بِدُونِ سَعْيِهِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ لَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ سَعْيِهِ وَهَذَا مَنْفِيٌّ إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَلأَِنَّ الْقَوْل بِثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ
(1) سُورَة النَّجْمِ: 39.