الثَّانِيَةُ: وَرَعُ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ الاِمْتِنَاعُ عَمَّا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ احْتِمَال التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي يُفْتِي بِالرُّخْصَةِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ فِي كُل شُبْهَةٍ يُسْتَحَبُّ اجْتِنَابُهَا وَلاَ يَجِبُ، لِقَوْلِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ (1) ، وَنَحْمِلُهُ عَلَى نَهْيِ التَّنْزِيهِ.
الثَّالِثَةُ: وَرَعُ الْمُتَّقِينَ، وَهُوَ مَا لاَ تُحَرِّمُهُ الْفَتْوَى، وَلاَ شُبْهَةَ فِي حِلِّهِ، وَلَكِنْ يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى حَرَامٍ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْل النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ دَرَجَةَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ (2) ، وَمِنْهُ تَرْكُ الزِّينَةِ وَالتَّوَرُّعُ عَنْهَا، لأَِنَّهُ يَخَافُ مِنْهَا أَنْ تَدْعُوَ إِلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الزِّينَةُ مُبَاحَةً فِي نَفْسِهَا، وَأَكْثَرُ الْمُبَاحَاتِ دَاعِيَةٌ إِلَى الْمَحْظُورَاتِ.
وَقَال عُمَرُ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ: كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْحَلاَل مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ فِي الْحَرَامِ.
الرَّابِعَةُ: وَرَعُ الصِّدِّيقِينَ: فَالْحَلاَل عِنْدَهُمْ
(1) حديث:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. . ."أخرجه الترمذي (4 / 168 ـ ط الحلبي) من حديث الحسن بن علي، وقال: حديث حسن صحيح.
(2) حديث:"لا يبلغ العبد درجة المتقين. . ."أخرجه الترمذي (4 / 634 ـ ط الحلبي) من حديث عطية السعدي، وذكر المناوي في فيض القدير (6 / 443 ـ ط المكتبة التجارية) أن في إسناده راويا لا يعرف حاله.