فهرس الكتاب

الصفحة 1026 من 12199

[يوسف: 38] . فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياءَ متّبِعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله ، كان اتباعه آباءه من صفات المدح. ولم يجىء فيما جاءوا به ذكر الأعراض وتعلّقها بالجواهر وانقلابها فيها ؛ فدلّ على أن لا هُدَى فيها ولا رشد في واضعيها.

قال ابن الحصّار: وإنما ظهر التلفّظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما تُرجمت كتب الأوائل وظهر فيها اختلافهم في قدم العالَم وحدوثه. واختلافهم في الجوهر وثبوته ، والعَرَض وماهيّته ؛ فسارع المبتدعون ومَن في قلبه زَيغ إلى حفظ تلك الاصطلاحات ، وقصدوا بها الإغراب على أهل السُّنة ، وإدخال الشُّبه على الضعفاء من أهل المِلّة. فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البِدْعة ، وصارت للمبتدِعة شِيعة ، والتبس الأمر على السلطان ؛ حتى قال الأمير بخلق القرآن ، وجبر الناس عليه ، وضرب أحمد بن حنبل على ذلك.

فانتدب رجال من أهل السُّنة كالشيخ أبي الحسن الأَشْعَرِي وعبد اللَّه بن كُلاَّب وابن مجاهد والمحاسبي وأضرابهم ؛ فخاضوا مع المبتدِعة في اصطلاحاتهم ، ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم. وكان مَن دَرجَ من المسلمين من هذه الأمة متمسّكين بالكتاب والسُّنة ، معرضين عن شُبَه الملحدين ، لم ينظروا في الجوهر والعَرض ؛ على ذلك كان السَّلف.

قلت: ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدِّين فمنزلته قريبة من النبّيين. فأمّا مَن يهجن من غلاة المتكلمين طريق منَ أخذ بالأثر من المؤمنين ، ويحض على درس كتب الكلام ، وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الاصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدّمين من الأئمة الماضين ؛ والله أعلم. وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بيّن في القرآن.

أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 211 ـ 214}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت