فهرس الكتاب

الصفحة 7241 من 12199

قوله تعالى :{ فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(148)}

قال البقاعى:

فلما تم الثناء على فعلهم وقولهم ذكر ما سببه لهم ذلك من الجزاء فقال {فأتاهم الله} المحيط علماً وقدرةً {ثواب الدنيا} أي بأن قبل دعاءهم بالنصر والغنى بالغنائم وغيرها وحسن الذكر وانشراح الصدر وزوال شبهات الشر.

ولما كان ثواب الدنيا كيف ما كان لا بد أن يكون بالكدر مشوباً وبالبلاء مصحوباً ، لأنها دار الأكدار ؛ أعراه من وصف الحسن ، وخص الآخرة به فقال: {وحسن ثواب الآخرة} أي مجازاً بتوفيقهم إلى الأسباب في الدنيا ، وحقيقة في الآخرة ، فإنهم أحسنوا في هذا الفعال والمقال ، لكونهم لم يطلبوا بعبادتهم غير وجه الله ، فأحبهم لإحسانهم {والله} المحيط بصفات الكمال {يحب المحسنين} كلهم ، فهو جدير بأن يفعل بهم كل جميل ولذلك رفع منزلتهم ولم يجعل ثوابهم بعضاً ، كما فعل بمن عبد لإرادة الثواب فقال: {نؤته منها} [ آل عمران: 145 ] فقد بان أن هذه الآية منعطفة على ما أمر به الصحابة رضي الله عنهم على طريقة اللف والنشر المشوش ، فنفي الوهن تعريض بمن أشير إليه في آية {ولقد كنتم تمنون الموت} [ آل عمران: 143 ] ونحو ذلك والثناء لعى قولهم حث عل مثل ما ندبهم إليه في قولهم {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [ آل عمران: 135 ] وثبات الإقدام إشارة إلى {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [ آل عمران: 139 ] وإلى أن ثبات القدم للنصر على أعداء الله كان شاغلاً لهم عن الالتفات إلى غيره ، وتعريض بمن أقبل على الغنائم وترك طلب العدو لتمام النصر المشار إليهم بآية {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} [ آل عمران: 145 ] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا وما انتظم في سلكه وداناه ، وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه ، وإيماء إلى أن من فعل فعلهم نال ما نالوا ، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ، لأن علمه محيط ، وكرمه لا يحد ، وخزائنه لا تنفد ، بل لا تنقص ، ثم ختمها بما ختم به للحث على التخلق بأوصاف المتقين ؛ فقد اتضح بغير لبس أن المراد بهذه الآية - وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب - التنبيه على أن أهم الأمور وأحقها بالبداءة التخلق بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت