قال البقاعى:
ولما ابتدأ القصة بالحق في قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} ختمها بذلك على وجه آكد وأضخم فقال: {الحق} أي الكامل في الثبات كائن {من ربك} أي المحسن إليك بأنه لا يدع لخصم عليك مقالاً ، ولما تسبب عما مضى نقلاً وعقلاً الاعتقاد الحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام قال: {فلا تكن من الممترين} مشيراً بصيغة الافتعال إلى أنه لا يشك فيه بعد هذا إلا من أمعن الفكر في شبه يثيرها وأوهام يزاولها ويستزيرها ، وما أحسن ما في سفر الأنبياء الإسرائيليين الذي هو بأيدي الطائفتين اليهود ثم النصارى ، يتناقلونه معتقدين ما فيه ، وأوضحه في خلاف معتقدهم في عيسى عليه الصلاة والسلام وموافقة معتقدنا فيه ، لكنهم لا يتدبرون ، وذلك أنه قال في نبوة أشعيا عليه السلام: اسمع مني يا يعقوب عبدي وأنت يا إسرائيل الذي انتخبته! أنا الذي خلقتك في الرحم وأعنتك ، ثم قال: هكذا يقول: يقول الرب: أنا الذي جبلتك في الرحم وخلصتك وأعنتك ، أنا الذي خلقت الكل ، وأنا الذي مددت السماء وحدي ، وأنا الذي ثبتّ الأرض ، أنا الذي أبطل آيات العرافين ، وأصير كل تعريفهم جهلاً ، وأرد الحكماء إلى خلفهم ، وأعرف أعمالهم للناس ، وأثبت كلمة عبيدي ، وأتمم قول رسلي ؛ ثم قال: أنا الرب الذي خلقت هذه الأشياء ، الويل للذي يخاصم خالقه ولا يعلم أنه من خزف الطين! لعل الطين يقول للفاخوري: لماذا تصنعني ؟ أو لعله يقول له: لست أنا من صنعتك ، الويل للذي يقول لأبيه: لماذا ولدتني ؟ أو لأمه: لماذا حبلت بي ؟ هكذا يقول الرب قدوس إسرائيل ومخلصه: أنا الذي خلقت السماء ومددتها بيدي وجميع أجنادها ، وجعلت فيها الكواكب البهية. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 101 ـ 102}
قال الفخر:
في الحق تأويلان