فهرس الكتاب

الصفحة 3778 من 12199

والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له: اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأُجرة ، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أُجرتها ؛ فالذي فعل مالك أوّلًا هو الذي يكون آخرًا ، ومالك إنما نظر إلى المال فركّب عليه حكم الحال ، وأباه سائر الفقهاء.

قال ابن العربيّ: والحجة فيه لمالك بيِّنة.

قال أبو عمر رحمه الله: وهذا هو عين الرِّبا الذي حرّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"من زاد أو ازداد فقد أرْبَى"وقد ردّ ابن وهب هذه المسألة على مالك وأنكرها.

وزعم الأَبْهَرِيّ أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق ، وليس الربا إلا على من أراد أن يُرْبِي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه.

ونسي الأبهرِيّ أصله في قطع الذرائع ، وقوله فيمن باع ثوبًا بنسِيئة وهو لا نيّة له في شرائه ثم يجده في السوق يباع: إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه ؛ ومثله كثير ، ولو لم يكن الربا إلا على مَن قصده ما حُرّم إلا على الفقهاء.

وقد قال عمر: لا يتّجر في سوقنا إلا من فَقُه وإلاّ أكل الربا.

وهذا بيّن لمن رُزق الإنصاف وألْهِم رشده.

قلت: وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهَّم كالمتحقق ، فمنع دينارًا ودرهمًا بدينار ودرهم سَدًّا للذَّريعة وحَسْمًا للتَوهُّمات ؛ إذ لولا توهَّم الزيادة لما تبادلا.

وقد عُلّل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع ؛ فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب.

وأوضح من هذا منعه التفاضل المعنويّ ، وذلك أنه منع دينارًا من الذهب العالي ودينارًا من الذهب الدّون في مقابلة العالي وألغى الدون ، وهذا من دقيق نظره رحمه الله ؛ فدل أن تلك الرواية عنه مُنْكَرة ولا تصح.

والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 348 ـ 351}

قال القرطبى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت