وقال ابن عاشور:
وقوله: { فتوكل على الله } التوكُّل حقيقته الاعتماد ، وهو هنا مجاز في الشروع في الفعل مع رجاء السداد فيه من الله ، وهو شأن أهل الإيمان ، فالتوكّل انفعال قلبي عقلي يتوجّه به الفاعل إلى الله راجياً الإعانة ومستعيذاً من الخيبة والعوائق ، وربَّما رافقه قول لساني وهو الدعاء بذلك.
وبذلك يَظهر أن قوله: { فتوكل على الله } دليل على جواب إذَا ، وفَرع عنه ، والتقدير: فإذَا عزمت فَبَادر ولا تتأخّر وتَوكَّل على الله ، لأنّ للتأخّر آفاتٍ ، والتردّد يضيّع الأوقات ، ولو كان التَّوكل هو جواب إذا لما كان للشورى فائدة لأنّ الشورى كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل لحصول الفعل المرغوب على أحسن وجه وأقربه ، فإنّ القصد منها العمل بما يتضّح منها ، ولو كان المراد حصول التوكّل من أوّل خطور الخاطر ، لما كان للأمر بالشورى من فائدة.
وهذه الآية أوضح آية في الإرشاد إلى معنى التَّوكل الَّذي حرَف القاصرون ومن كان على شاكلتهم معناه ، فأفسدوا هذا الدين من مبناه.
وقوله: { إن الله يحب المتوكلين } لأنّ التوكّل علامة صدق الإيمان ، وفيه ملاحظة عظمة الله وقدرته ، واعتقادُ الحاجة إليه ، وعدم الاستغناء عنه وهذا ، أدب عظيم مع الخالق يدلّ على محبّة العبد ربّه فلذلك أحبَّه الله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 271}
قال أبو حيان:
وقد تضمنت هذه الآيات فنوناً من البيان والبديع والإبهام في: ولا تلوون على أحد ، فمن قال: هو الرسول أبهمه تعظيماً لشأنه ، ولأن التصريح فيه هضم لقدره.
والتجنيس المماثل في: غما بغمّ ، ثم أنزل عليكم من بعد الغمّ.
والطباق: في يخفون ويبدون ، وفي فاتكم وأصابكم.
والتجنيس المغاير في: تظنون وظن ، وفي فتوكل والمتوكلين.